"شرم برم والناس غافلة والغفلة عالأفهام قافلة
والكذب لعلع في الحفلة وأغلب السامر مساطيل"
(أنا الأديب لأحمد فؤاد نجم)
تعريف الثقافة
قد يكون أصل كلمة ثقافة في اللغة العربية من تعبير ثقفه تثقيفاً، والمقصود هو الرمح عند تسويته وتقويمه. أما في العصر الحديث فلا يوجد إجماع كامل حول معنى الكلمة ولكنها تأتي بالإجمال للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات، وهي ليست فقط مجموعة من الأفكار، بل هي نظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالاً، وبما يتمثل فيها الطابع العام الذي ينطبع عليه شعب من الشعوب، وقد تكون فيها بعض الوجوه المميزة للجماعة عن جماعات أخرى بما يخص اللغة والمبادئ الأخلاقية والمقدسات والقوانين وتراكم التجارب. انها التعبير الذي يشمل المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات. بالإجمال فإنه يمكن استعمال الكلمة للتعبير عن المعاني الثلاثة التالية:
تذوق الفنون الجميلة والعلوم الإنسانية.
نمط متكامل من المعارف البشرية والاعتقاد والسلوك الذي يعتمد على القدرة على التفكير الرمزي وانتظام السلوك الاجتماعي.
مجموعة من القواعد المشتركة والقيم والتطلعات والممارسات التي تميز مجموعة من الناس عن غيرها.
هي حسب تعبير التوجه الأميركي في الانتروبولوجيا "نبوغ القدرة البشرية لحد يجعلها قادرة على تصنيف الخبرات والتجارب بطريقة رمزية والتعبير عنها بطريقة إبداعية وخلاّقة كما انها تشير الى التمايز الذي يطبع سلوك الجماعات المتباعدة".
تعريف المثقف
أما تعريف المثقف فهو أكثر إثارة للجدل وعرضة لكثير من التصنيفات، ولكن بشكل عام فهو الشخص المنفتح على الأفكار والمتفهم للخيارات والمعتقدات والقادر على الحوار دون أفكار مسبقة، مع ميل واضح الى تطوير فكره وقناعاته بناء على المعطيات الجديدة. ويتسم المثقف عادة بوضوح الأفكار وميلها الى التعاطف الإنساني وقدرة على التعبير عن معلوماته دون اسفاف أو ابتذال بالألفاظ. ويكون المثقف عادة من نخبة المجتمع ومن هذه النخبة يتم اختيار القيادات على مختلف الأصعدة من الناحية النظرية.
وقد انشئت في معظم الدول وزارات للثقافة تهتم بتطوير وحماية الإرث الحضاري من آثار وفنون ومعالم عمرانية وتدعم أيضاً الأنشطة الثقافية من فنون وموسيقى وغيرها من الأنشطة التي تساهم في تطوير وإبراز دور الأمة الحضاري. وغالباً ما يتم اختيار شخصية مميزة على المستوى الثقافي والأخلاقي لاستلام هذه الوزارة حتى تكون الوجه الحضاري لبلد ما.
في لبنان مرت على وزارة الثقافة شخصيات مميزة طبعت الوزارة بطابعها أمثال غسان سلامة وطارق متري، وفي بعض الأحيان فرضت التوازنات السياسية والطائفية وجود شخصيات أخرى ولكنها كانت دائماً تحافظ على حد معين من الاحترام لهذا الموقع.
الثقافة العونية
كان هذا قبل أن يبتلى لبنان بوباء الثقافة العونية التي أرست منطقاً جديداً في الحكم والسياسة وحتى في السلوك الشخصي للمصابين بهذا المرض.
لم أكن أعرف سابقاً وزير الثقافة العوني الحالي، وحتى عندما شاهدته في احدى المقابلات التلفزيونية انتظرت الى حين أعلن اسمه وصفته حتى عرفت بأنه الوزير الموكل بحراسة الثقافة في لبنان. بصراحة لم أجد في حديث الوزير المذكور أي اثر للثقافة، ولا حتى لآداب التخاطب العامة، فقد كنت أستمع الى شخص ينضح منه الحقد والكراهية، لا يعرف من الثقافة حتى اسمها.
في الواقع فإن العماد ميشال عون ومنذ دخوله الى الحياة السياسية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، أرسى ثقافة جديدة على لبنان لطالما مارسها الكثيرون من الزعماء الشعبويين في العالم.
لقد بنى شهرته وشعبيته يومها على تعبير "سوف أكسر رأس حافظ الأسد"، على الرغم من تنافر هذا التعبير مع الأدبيات السياسية، ولكن البلد كان في حالة حرب، وكان كثير من اللبنانيين في حالة عداوة مع النظام السوري وممارساته في لبنان.
أما بعد عودته المظفرة من منفاه الباريسي، ومنذ أن وطأت رجلاه أرض مطار رفيق الحريري الدولي، تبين أن الجنرال لا يحمل في قاموس تعابيره السياسية إلا الكلمات المغرقة في السوقية، أما في المضمون فقد أكدت تصاريحه وتصرفاته أن الرجل ماضٍ في تنفيس أحقاده المزمنة ضد كل الرموز التي يعتبرها منافسة للصفات التي ينسبها لنفسه، وهنا لن أدخل في متاهات التحاليل النفسية لهذا النوع من الشخصيات، ولكن الواقع هو أن "الثقافة العونية" تسببت بتسميم الحياة السياسية وأدخلت تعابير وسلوكيات منفرة وهابطة وفي أحسن الظروف ركيكة لدرجة تثير الشفقة على من ما زالوا يؤمنون بقيادة الجنرال.
عندما عاد العماد عون من المنفى الذهبي بسبب ثورة الأرز التي يرفض وزير ثقافته الاعتراف بها، وهي التي تأسست على تضحيات الشهداء الذين ينكر لهم الوزير نفسه حتى دماءهم، لاحظت يومها بوادر الثقافة العونية، ولكنني كنت أعتقد أنها لحظة عابرة، وعندما استمر على النهج نفسه، اصبحت أمني النفس بمن حوله من أصحاب الفكر والرأي والشخصيات السوية. لكن الوقت أثبت أن من عنده الحد الأدنى من الأخلاقيات العامة ترك الجنرال الى غير رجعة. أما من بقي معه فمنهم منافقون يسعون الى الحفاظ على مواقعهم، رغم عدم موافقتهم سراً على سلوكياته. أما الباقون فهم على شاكلة رئيسهم لكي يقتنع بإدخالهم الى جنّة الثقافة العونية.