#dfp #adsense

ديك الجنّ الحمصي

حجم الخط

«رأيتني» قبل أيام جالسة في حضرة «حزن عميق» يعلو محيّا خالد بن الوليد «سيف الله المسلول»، و»رأيتني» أستكشف حزنه، فكاشفني بألمه الشديد لأنه يشعر أنه لم يفعل شيئاً… و»رأيتني» أخاطبه مهوّنة عليه مُسرّية عن أحزانه أروي له «كلّ بطولاته في تاريخ الإسلام»، هناك في حمص حيث يرقد «سيف الله المسلول»، الذي آن له أن يهبّ من رقدته، كان الأمس يوم حزين آخر أحمر في تاريخ ثورة الشعب السوري، والعزاء الوحيد ربما في تدفق هذه الدماء أن ثمن الحريّة باهظ جداً.. لا طاقة لأحد بتحمّل هذا القتل الحاقد، ما يُحدث في حمص «إبادة»، ولو كان في اللغة ما يعبّر عن حرارة القتل في أهلها لخفّف ربما من وطأة ما يشعر به كلّ عربيّ ومسلم وسط صمت العالم المخيف !!

«خالد» المقولة الشهيرة على فراش موته «فلا نامت أعين الجبناء»، هو القائد العظيم وصاحبُ الأثر المشهور في قتال الفرس، والروم، فاتح دمشق، وجار حمص وسجيّ ترابها، حزنه عميم وجليل، وكان في قلنسوته التي يقاتل بها شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنصره به وببركته، فلا يزال منصوراً، سقطت منه قلنسوته يوم اليرموك، فأضنى نفسه والناس في البحث عنها فلما عوتب في ذلك، قال: «إن فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله وإني أتفائل بها وأستنصر» ففي حجة الوداع لمّا حلق الرسول، صلى الله عليه وسلم، رأسه أعطى خالداً ناصيته، فكانت في مقدم قلنسوته، فكان لا يلقى أحداً إلا هزمه الله.

كلّما استحرّ القتل عبر الشاشات في أبواب حمص السبعة، وكلّما انتفضت الثورة ضد الموت عاودني نُصبُ «تيمورلنك» الذي فتح بلاد الدنيا، وعجز عن دخول حمص في حملة السنوات السبع منذ اتجه إلى حلب، فسقطت بسبب رفض مماليك مصر مساعدة أهل الشام نتيجة صراعهم على الحكم. وبلغ عدد القتلى فيها عشرين ألفاً والأسرى أكثر من ثلاثمئة ألف، واتجه تيمورلنك بجيشه إلى حماة والسلمية، ولم يكن حظهما بأحسن حال من حلب، وواصل زحفه إلى دمشق التي بذل أهلها جهودًا مستميتة في الدفاع عن ولكنهم اضطروا لتسليمها ولمَّا دخلها تيمورلنك أشعل فيها النار ثلاثة أيام حتى أتت على ما فيها، وأصبحت أطلالاً أقام بها ثمانين يوماً، واتجه إلى طرابلس وبعلبك فدمرهما، وعند مروره على حلب أحرقها مرة ثانية وهدم أبراجها وقلعتها. ثم دمر ماردين ولم تسلم منه إلا مدينة حمص، فكيف تدكّ اليوم وهي العصية العديّة؟!

اذا ذَكَرُوا عَهْدَ الشَّآمِ اسْتَعَادَنِي/ إلى مَنْ بِأَكْنَافِ الشَّآمِ حَنِينُ

تَطَــاوَلَ هَذا اللَّيْلُ حَتَّى كأَنَّما/ على نَجْمِهِ أَلاَّ يَعُودَ يَمـِينُ

حتى ديك الجن ابن مدينة حمص بل ابن واحد من أحيائها القديمة ابن باب الدُريب، «حضرني» وكأن روح التاريخ تنسلّ وتتسلسل من نوافذ الحزن، وباب الدريب:وقد ورد لدى بعض المؤرخين باسم باب الدير وهو القائل يصف نفسه: «وَخَوْضُ ليلٍ تخافُ الجِنُّ لُجَّتَهُ/ويَنْطوي جيشُها عن جيشه اللَّجِبِ».

ما يحدث في حمص مجازر، في زمن كنا نعتقد أنّ ما قرأناه في التاريخ عن هولاكو وتيمورلنك شيء من التاريخ في زمن توحّش مضى، وفي ظلّ ما ظنناه تحضّر العالم، إنه تاريخٌ من القتل يعيد نفسه، وما يزيد في عمق الألم والحزن أنّ العجز سيّد الموقف والمشهد!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل