
كتبت كارلا خطار في "المستقبل": حلت الذكرى السادسة لتوقيع اتفاقية مار مخايل بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله". التواريخ تختلف والظروف أيضا وينعكس ذلك على الشارع اللبناني. وفي مقارنة بين مشهد 6 شباط 2006 ومشهد 6 شباط 2012 يتضح أن مظاهر الاحتفال غائبة واللقاءات بين العامين تكاد تكون مقتصرة على "شراكة" المصالح و"التفاهم" على الفرائس! وعلى مرّ السنوات برهن الاتفاق أنه لم يمت، نعم لم يمت.. لأنه في الأساس ولد ميتا حيث أن النوايا لم تكتُب له الحياة.
فالاتفاق الباريسي بنسخته اللبنانية التي "أُقحم" فيها مار مخايل، لا يلحظ القضايا الخلافية التي قسّمت اللبنانيين.. لم يذكر فيه الجنرال الاستثنائي وهو الطرف المسيحي في التفاهم الفريد من نوعه، إن كان يوافق الحزب على توسيع الامبراطورية الفارسية وولاية الفقيه، كما لم يذكر رأيه بالحزب الذي كان وصفه بـ"الإرهابي" في حديث له أمام جمهوره في الولايات المتحدة قبيل إقرار قانون محاسبة سوريا.. وبينما يعمل جمهور "حزب الله" على زيادة عدد نواب جنرال الرابيه ووزرائه، ينطلق الأخير في دفاعه عن السلاح مبررا الحاجة الملحة إليه.
تجربة الأعوام الستة حسمت الموقف: التفاهم أو الوثيقة لم تتحقق منها سوى تبعية "التيار الوطني الحر" لـ"حزب الله"، فتحول العونيون الى أبواق تكرّر صدى "الحزب" وتبرّر له كل ما يفعله وتدافع عنه، ما يدحض تاريخ 15 عاما من النضال من أجل الحرية والسيادة والاستقلال.
"الحزب" يمسك بيد "التيار" ويتنقل به من السلاح الى المحكمة.. ثم لا يلبث أن يتركه وحيدا في مواجهة ملف الكهرباء حيث لم يتعدّ دور "الحزب" تدوير الزوايا، ثم يتخلى عنه في مواجهة تعديل الحد الأدنى للأجور وغيرها من مواضيع العمالة والتعيينات.. فلكل منهما أولوياته، والمصلحة تقتضي أحيانا الاحتكام الى "الأخذ باليد" وأحيانا كثيرة الى "الأخذ بالخاطر"! وتعقيبا على بنود الاتفاقية ترد الى الذهن الأسئلة التالية وهي مستخرجة من أبرز تلك البنود: هل يعارض اللبنانيون تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية وحماية لبنان من الأخطار الإسرائيلية؟ هل يرفض اللبنانيون حواراً وطنياً حول استراتيجية دفاعية؟ ألا يريد اللبنانيون دولة قانون ومؤسسات وقضاء مستقل يؤمن احترام عمل المؤسسات الدستورية؟ ألا يريد اللبنانيون محاربة الفساد من جذوره؟ إلا أن خلاف اللبنانيين واختلاف آرائهم يتعدى القضايا البديهية للغوص في قضايا جوهرية تنكر لها تفاهم مار مخايل!
قاطيشا: اتفاقية فارغة
يرفض مستشار رئيس حزب "القوات اللبنانية" العميد المتقاعد وهبي قاطيشا، في قراءة لورقة التفاهم، أن يعدد ماذا تحقق من بنود الاتفاقية، ليس لأن شيئا لم يتحقق فحسب، إنما لأن القضايا الأساسية غير مذكورة في الاتفاقية، معتبرا أن التفاهم ليس وليدة اللحظة، وبرأيه إن الاتفاقية ماتت قبل أن تولد. ويشرح: التفاهم اتفق عليه في باريس قبل أن يعود النائب ميشال عون الى لبنان ثم أبرم في مار مخايل. غير أن الاتفاق لا يحتوي على أي بنود جوهرية ولا يتناول القضايا اللبنانية الأساسية التي تركز على قيام الدولة ونزع السلاح، إنما ينصّ على قضايا هامشية يتفق حولها كل اللبنانيين.. فالإتفاق أغفل القضايا الرئيسية التي يختلف حولها 8 و14 آذار حيث أن مسألتي السلاح وقيام الدولة هما القضيتان الاساسيتان اللتان قسمتا المجتمع اللبناني.
ويستنتج قاطيشا أنه لا معنى للإتفاق بالنسبة لنا وبالنسبة لأي محلل يراقب مسار السياسة اللبنانية. هذا لبنانيا، أما في ما يخص طرفي التفاهم فيشير الى أن الخلاف بين "الحزب" و"التيار" جوهري. الأول يدين لإيران وللسيد علي خامنئي ويعمل لتوسيع الامبراطورية الفارسية.. ويتساءل "هل النائب ميشال عون موافق على هذا الرأي؟ إن كان موافقا، فهو لم يذكر ذلك في الاتفاقية. وإن لم يكن موافقاً فهذا يعني أنه يستغل الواقع ليحظى بما يناسبه بعيداً عن ولاية الفقيه والسلاح".
ويرى أن "التيار الوطني الحر" استخدم العنصرين الأخيرين غطاء له في مرحلة سابقة حين كان يريد أن يحظى بكرسي رئاسة الجمهورية. وفي مرحلة ثانية، يستخدمهما ليحصل على مقاعد وزارة ونيابية وهذا واضح حيث نال 9 نواب من صنيعة "حزب الله"، بالإضافة الى الوزراء.
ويسأل قاطيشا: هل تلفزيون "المنار" يشبهني؟ طبعا لا.. بينما تلفزيون "المستقبل" مثلا يشبهني. لذا يلفت الى أن الاتفاق ليس ملموساً بقدر ما هو عملية "حكّلي تحكلّك" لتمرير المراحل السابقة والآتية. فـ"حزب الله" يقرأ واقعه على هذا النحو: هو يعيش مع المسيحيين ويعتبر لبنان مقسوماً عمودياً ضمن مناصفة عددية، لذا فالتفاهم مع طرف مسيحي لا بد منه وهذا ما يبرر له عمله.
ويختم: أما بالنسبة الى الجنرال عون فهو لم يستفد سوى من عدد النواب والوزراء ليضغط بالتالي على الدولة ويشتم الشعب اللبناني كما يفعل كلما يطل على الشاشة.
حوري: القرار لـ "الحزب"
إذاً القصة وما فيها، أن الكلام في الصالونات شيء، والأداء على الأرض شيء آخر. الأمر الذي يشعر الجمهور العوني أن "الحزب" بات يتعاطى معه على أنه تحصيل حاصل، في الجيب، فلا خوف من رد فعله. ولأن أولوية الحزب تكمن في مشروعه الاستراتيجي، فهو بحاجة الى كل الجالسين معه الى طاولة مجلس الوزراء، أما "التيار" فليس بحاجة إلا إلى جمهور! ويعرّف عضو كتلة "المستقبل" النيابية النائب عمار الحوري الاتفاقية بأنها نموذج لتفاهم بين حزبين لبنانيين في مكان ما على حساب المصلحة الوطنية الكبرى. وفي نتيجة التفاهم، يعتبر حوري أن "التيار الوطني الحر" أصبح صنيعة بيد "حزب الله"، لا يملك من أمره شيئا وبالتالي فالقرار بالكامل هو لـ"حزب الله" وبشكل واضح. والتيار، الذي كان يتحدث قبل ورقة التفاهم عن السيادة والحرية والاستقلال وبسط سيادة الدولة وهيمنتها على كامل الأراضي اللبنانية، يجد نفسه مضطر يوميا الى تبرير وجود سلاح "حزب الله" وتجاوز الحزب للدولة وهيبتها. ويخلص حوري الى أن "المستفيد الاكبر من هذا التفاهم هو "حزب الله" والخسارة بالتالي تتكبدّها الشعارات التي رفعها النائب ميشال عون وملأ فيها الدنيا صباحاً ومساء بالضجيج."