استبعدت مصادر سياسية واسعة الاطلاع في بيروت ان تشهد الأزمة الناشئة بين أطراف حكومية منذ الاسبوع الماضي اي حلحلة حسية قبل عودة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من زيارته المرتقبة لباريس في نهاية الاسبوع الجاري من دون ان تذهب في توقعاتها الى تأكيد ما تردد عن تأخير الحل الممكن لهذه الأزمة الى مطلع مارس المقبل.
وقالت هذه المصادر لصحيفة "الراي" الكويتية ان المشاورات التمهيدية التي اجريت في اليومين الاخيريْن، والتي كان ابرزها في اللقاء الذي جمع ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ابرزت استكشافاً للاطار العريض الذي يمكن عبره حفظ ماء الوجه لمختلف القوى المتورطة في هذه الازمة لاسيما منهم ميقاتي وزعيم "التيار الوطني الحر" النائب العماد ميشال عون، من دون ان تتبلور بعد ملامح الصيغة التي سيرسو عليها المخرج الذي من شأنه ان يعيد استئناف عقد جلسات مجلس الوزراء.
واذ توقّعت المصادر ان تنشط هذه المساعي في اتجاه بلورة الصيغة المطلوبة الاسبوع المقبل، لاحظت ان اياً من الاطراف المعنيين بالازمة لا يبدو مستعجلاً الآن على الاقل الغوص في حلول تجريبية بدليل ان بري المعروف بحرصه على دور "الوسيط" المتمتع بقدرة فتح الحوارات مع مختلف القوى الحكومية لا يزال يبدي برودة وعدم حماسة للتورط علناً وبقوة في وساطته قبل انضاج الظروف التي تسمح بنجاحها.
وتعتقد المصادر ان قوى 8 آذار بمن فيهم "حزب الله" والرئيس بري والعماد عون لا تريد اعطاء ميقاتي ورقة "براءة ذمة" عشية زيارة لفرنسا في ضوء الدور الطليعي البارز الذي تتخذه من مناهضة النظام السوري، بل انها ستُبقي ورقة الازمة الحكومية مسلطة عليه الى ان يعود من باريس. وهو امر تحسّب له ميقاتي ، على ما تكشف استعداداته وتصريحاته حول هذه الزيارة. ثم ان تأجيل الحل للازمة يبدو بمثابة فرصة لدرس المخرج الذي سيتبع في استحقاق التمديد للبروتوكول الموقّع بين لبنان والامم المتحدة حول المحكمة الدولية والذي يحل موعده في مطلع اذار.
واذا كانت معظم المؤشرات تدل على ان هذه الازمة قد تشكل مخرجاً غير مباشر لجعل التمديد يمر بقرار من الامين العام للامم المتحدة من دون اثارة ازمة اضافية بين اطراف الحكومة، فان ثمة معطيات اخرى تقول ان قوى 8 آذار وتحديدا "حزب الله" لن تسكت عن تمرير هذا الاستحقاق بهذه الطريقة اسوة بما حصل لدى قرار تمويل المحكمة الذي اتخذه ميقاتي منفرداً.
وتشير هذه المعطيات الى تنامي ازمة الثقة بين ميقاتي و"حزب الله" عقب انفجار الخلاف بين رئيس الحكومة والعماد عون، وقد كان كلام عضو المكتب السياسي في الحزب غالب ابو زينب لدى زيارته عون اول من امس واضحاً في الانحياز الثابت مع حليفه المسيحي خصوصا ان الزيارة جاءت في الذكرى السادسة لعقد مذكرة التفاهم بين عون والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله.
واذ انتظرت الاوساط السياسية كلمة السيد نصرالله مساء امس لتبين موقفه من الازمة الراهنة، اعربت المصادر نفسها عن اعتقادها ان الحكومة مقبلة على صفحة معقدة للغاية في مواصلة مهماتها، نظرا الى معادلة صعبة باتت تحكم استمرارها. ذلك ان لا مصلحة لاي من اطرافها في انهاء ولايتها واستقالتها او اسقاطها، ولكن لم يعد هناك لدى هذه الاطراف اي قدرة على التقيد بالحد الادنى الممكن من الانسجام والتوافق على الملفات الداخلية المتراكمة. ولعل اقصى ما يمكن توقعه وسط هذه المعادلة انهاء ظاهرة تعليق جلسات مجلس الوزراء وكذلك تعليق الخوض في الملفات الشائكة وتركها من تأجيل الى آخر، تجنباً لانفجار سياسي اكبر ، وهو ما يعني عمليا التوافق على ستاتيكو حكومي يطيل امد الانتظار وملء الفراغ لا اكثر ولا اقل.