أمضى الرئيس البعثيّ بشّار الأسد شهوراً عدّة، يواظب على تطبيق ما سبق أن أسميناه "النظريّة البشّاريّة". لكنّه اليوم أقلع عنها، وأراد تجريب حلول أكثر جذريّة أطلق عليها أذنابه اسم "الحسم".
عنينا بـ"النظريّة البشّارية" معادلة تقوم على ابقاء النظام البعثيّ الفئويّ لأطول فترة ممكنة، من خلال تحصيل غلّة دمويّة يوميّة، تضمن الوحدة العضويّة لجهاز النظام الأساسيّ، فتتنقّل عبر المناطق السوريّة، حاصدة من عشرين إلى خمسين نفراً يوميّاً.
إلاّ أنّ معطيات وقناعات، دفعت الأسد للعدول عن نظريّته تلك، مبتغياً "الحسم". ومع أنّ الكلمة سيقت مراراً وتكراراً في الأشهر السابقة، إلا أنّ التركيز عليها هذه المرّة أعطاها طابعاً خاصة، لا سيّما وأنّه ترافق مع زج المدفعية الثقيلة في حملة تدميريّة مركّزة ضدّ أحياء بكاملها من مدينة حمص وغيرها، في ظلّ خروج الوضع تماماً عن سيطرة الجيش الفئويّ الدمويّ في مناطق واسعة من سوريا.
وفي لجّة هذه المعطيات والقناعات، برز شبح حافظ الأسد مجدّداً، وفي الذكرى الثلاثين لمجازر حماة الرهيبة. وأوحى هذا الشبح لمعشر الشبيحة، بأنّ بإمكانهم اليوم بالذات، "الحسم" مجدّداً بالأسلوب الإباديّ الذي استخدم سابقاً في حماة 1982 غير آبهين بكل التطوّرات الحاصلة في العالم منذ ثلاثين عاماً وإلى اليوم، وليس أقلّها زوال الإتحاد السوفياتيّ، وانتشار ثورة الإتصالات والمعلومات، وتوسّع نطاق المنظومة الديموقراطية الليبرالية عبر العالم، والثورات الشعبية السياسية التي تشكّل الربيع العربيّ، واتخاذ الإنقسام المذهبيّ بعداً إقليميّاً شاملاً غير مسبوق؛ ويضاف إلى كل هذا، في ما يعني سوريا، أنّ عزلة "الإخوان المسلمين" أو انعزالهم في سوريا السبعينيات والثمانينيات ما عادت تقارن باتساع نطاق الثورة الشعبية السوريّة إلى بيئات وتلاوين متعدّدة للغاية، فضلاً عن تطوّر المدرسة الإخوانيّة نفسها، لا سيّما فرعها السوريّ، وبروز النموذج التركيّ، وغير ذلك.
كل هذا، ضربه بشّار الأسد بعرض الحائط، وقرّر "الحسم"، هذا الحسم الذي سبق للعماد البعثيّ ميشال عون أن وعد بإتمامه ذات ثلاثاء، قبل أشهر!
فجاء المتغيّر الأوّل في نسبة الغلّة الدمويّة التي ارتفعت إلى مئة فمئتين فثلاثمئة في اليوم الواحد. وجاء المتغيّر الثاني في عدم تمكّن الجيش الفئوي من تسجيل أي "انتصار" يذكر في الأيام الماضية، حيث إنّ "الحسم" يقترب من إتمام أسبوعه الأوّل دون جدوى كبيرة.
وبالعودة إلى نموذج مجازر حماة 1982، فإنّ ما لم يتنبّه له بشّار الأسد أبداً، هو أنّه ليس بالضرورة أن نظام والده كان لينجو من فعلته، لولا الإجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982، والذي انتهى، بإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. وحده الهروب إلى الأمام في متاهات الوضع اللبنانيّ هو الذي سمح للنظام الأسديّ في الثمانينيات، بـ"تجاوز" مجازر حماة، فضلاً عن تضحيته الذاتية ببعض من المسؤولين المباشرين عن هذه المجازر.
إذاً يعتمد قرار "الحسم" على شبح حافظ الأسد، إنّما في سياق ميدانيّ سوريّ مختلف تماماً، وفي سياق عربيّ ودوليّ لا وجه للمقارنة فيه مع ما سبق.
أمّا الشبح الثاني، فكان شبح "الإتحاد السوفياتي". وهنا وقع بشّار الأسد في ما كان لوالده أن يقع به.
فأيّاً يكن من شيء، ما كان يميّز حافظ الأسد عن بقية أترابه في البعث الفئويّ السوريّ، هو أنّه، على حرصه "الإستراتيجيّ" على التحالف مع الإتحاد السوفياتيّ، كان يدرك تماماً أنّ وزن السوفيات في المنطقة، على أهميّته، يبقى وزناً ثانويّاً، تجاه حضور الولايات المتحدة الأميركيّة ونفوذها، وأنّ صلة أميركا بالمنطقة "عضويّة"، وليست فقط نفوذاً يأتي ويرحل. كان أقصى هدف للسوفيات في المنطقة هو تبادل مناطق النفوذ. أمّا السياسة الأميركية فلا يمكنها أن تقبل بأن يكون هناك نفوذ سوفياتي، أو روسيّ، يستفرد بأي بلد من بلدان المنطقة، إلا إذا كان ذلك "مؤقتاً"، ومندرجاً ضمن سياستها الإجمالية للمنطقة. حافظ الأسد كان يفهم ذلك. بشّار الأسد ربّما كان يفهم ذلك في وقت من الأوقات، لكنّه اليوم، قرّر فتح "ثنائية سوفياتية أميركية" على حسابه، وقد فاته تفصيل يمكن أن يكون مهماً: الإتحاد السوفياتي سقط.
حافظ الأسد شيء، وشبح حافظ الأسد شيء آخر.
الإتحاد السوفياتي شيء، وشبح الإتحاد السوفياتي شيء آخر.
والحصيلة أنّ بشّار الأسد صار شبحاً لبشّار الأسد.
و"الحسم" الذي أعلنه سياسة تنكيل قصوى ضدّ شعبه، وضدّ جيش الثورة، "الجيش السوريّ الحرّ"، بات يدخله في تكرار للنموذج الذي اتبعه الجيش الإسرائيليّ في لبنان وغزّة، مع فارق جوهريّ هو أنّه لا يمكنه أن يستخدم سلاح الجو بالشكل الذي استخدمه حافظ الأسد في شباط 1982.
وبعد، فما أشبه "الحسم" البشّاريّ، بفرع من فروع "حواسم" صدّام حسين.