أنا جود أبو جودة تلميذ في ثانوية الأشرفية. كنت في الصف الأول متوسط (6eme) في يوم 5 شباط 2006، ولا زلت أذكر ذلك النهار المشؤوم جيدا. شاهدت والدي يُخرج سلاحه الرشاش للمرّة الاولى، ويحضر نفسه للنزول للدفاع عن الأشرفية التي تعني له ولنا الكثير. رأيت الغضب في عينيه في مشهد لم يسبق لي أن رأيته في حياتي. صراحة خفت كثيرا على والدي رغم أني رغبت لو أحمل بندقية وأذهب معه.
لم يكن مقبولا بأي شكل من الأشكال أن "يهجم" أحد على الأشرفية التي طردت جيش النظام السوري بكل جنوده وجبروته منها في حرب المئة يوم التي يفاخر دائما والدي بإخباري عنها وعن بطولات الشباب بقيادة الشيخ بشير الذي أحبّه رغم أني لم أعرفه يوما.
غادر والدي المنزل وبدأت والدتي تصلي ليعود بالسلامة. تسمّرت أمام شاشة التلفزيون رغم أنني لا أحبّ متابعة الأخبار السياسية. كنت أشاهد ما يجري بسخط وأحسست بالمواجهة، ولم أفهم ما علاقة الأشرفية يومذاك بالرسوم الدانماركية. وفجأة أطل الدكتور سمير جعجع في اتصال هاتفي عبر إحدى المحطات ودعا الشباب الى التروّي وضبط النفس وهدّأهم قائلا إن هؤلاء حلفاؤنا ويجب الهدوء وإن الاتصالات تجري لعودة الجميع الى الهدوء والى منازلهم.
فجأة، دخل والدي مجدّدا. وضّب سلاحه وجلس الى جانبي. لم أفهم ماذا يجري. سألته، فأجابني: "ألم تسمع ما طلبه منا "الحكيم"؟ أجبته بنعم ،فتابع: "نحن نثق بهذا الرجل وبالمؤسسة الحزبية التي ننتمي إليها. ولا شك أنه بحكمته في كلامه جنّبنا شرّا كنا بغنى عنه".
أحببت أن أكتب لأروي هذه الواقعة ردّا على ما قرأته من مقال حاقد على صفحات موقع العونيين لمدعو يحمل اسم عائلتي واسما شبيها باسمي ولا يشرّفني (والدي سمّاني جود تيمّنا بالشهيد جود البايع). لو فكرت قليلاً يا جاد لرأيت أن تصريح "الحكيم" كان لتخفيف الإحتقان لدى شباب "القوات" الذين كانوا على الأرض تفادياً لكارثة أكبر كانت لتحصل نتيجة تصرفات غوغائية لأقلية من المتظاهرين مندسة (تحبون هذا التعبير أنتم) بين الجموع، ولو أكملت الوقائع على الأرض لذكرت أن المشايخ الذين كانوا على رأس التظاهرة كانوا أول من وقف في وجه هؤلاء وساهموا في الحد من أضرار هذه الحادثة، طبعاً، يصعب على من يتبع ميشال عون التفكير بعقلانية وأن يرى الأحداث بتجرد، ولكن إشكر ربك أن السفارة الدانمركية كانت في الأشرفية لأنها لو كانت في الرابية لكان عمادك هرب إلى… لا أدري من يستقبله بعد.
وللمناسبة، أحداث"5 شباط" انتهت في اليوم نفسه ولم تتكرّر، ولكن ماذا عن كارثة "6 شباط 2006"؟ والتي ما زلنا ندفع ثمنها كلبنانيين حتى اليوم من دون أن يقبض صديقنا الجنرال غير الكلام المعسول الذي هو نفسه لم يعد يقبضه. دفعنا ثمن هذا اليوم في "12 تموز 2006" ، في "23 كانون الثاني 2007" ، في اعتصام شل البلد لمدة سنة ونصف انتهى بانتخاب العماد سليمان رغماً عن عمادك. دفعنا الثمن أيضاً في "7 أيار 2008" وما تبعه، كل هذه الحوادث تمت تحت غطاء عون من دون أي مكسب له باستثناء توزير صهره الذي أصبح فيما بعد الكارثة الكبرى التي توحد اللبنانيون على رفضها.