#dfp #adsense

كمبوديا ولبنان والإنترنت

حجم الخط

قبل بضعة ايام عاد من رحلة سياحية الى كمبوديا ابني الذي يدرس العلوم المالية في جامعة باريسية.
وقد ساورني الفضول حول اوضاع هذا البلد الذي عانى عمليات ابادة جماعية على ايدي فريق بول بوت الذي سيطر على البلاد اربع سنوات، وكانت سياسة الحكام ابادة المتعلمين والمفكرين وإلزام الشعب خيارات اين منها حكم ستالين.

اليوم استعادت كمبوديا السلام بين مواطنيها البالغ عددهم 10 ملايين. لكن مستوى المعيشة منخفض ومعدل دخل الفرد الفا دولار في السنة أي ما يوازي 20 في المئة من معدل دخل الفرد في لبنان.
والبلد يعاني تردي مواصفات البنية التحتية وخصوصا الطرق التي هي في معظمها ترابية. وهناك نسبة ملحوظة من المواطنين ممن يسيرون حفاة، ومع ذلك، فان خدمات الانترنت متوافرة مجاناً في العاصمة والارياف. ومن نافل القول ان هذه الخدمات ذات اهمية كبيرة سواء للحصول على المعلومات او لانجاز الاتفاقات والعقود. وتطور أي مجتمع على صعيد الانجاز العصري يرتبط الى حد بعيد بسرعة خدمات الانترنت واستمرارها من دون تقطع.

في المقابل، انعقد في لبنان مؤتمر حول خدمات الانترنت في المنطقة فيه شارك في المؤتمر وزير الاتصالات الذي اكد ربما للمرة العاشرة ان هذه الخدمات ستتوافر بسرعة فائقة وبتكاليف معقولة، مع العلم ان التقارير الدولية عن خدمات الانترنت تصنف لبنان في المرتبة الاخيرة بين الدول. حتى جزيرة هايتي هي افضل حالاً من لبنان.

اللبنانيون يشكون من خدمات الانترنت والهاتف الخليوي ان على صعيد الخدمات أو على صعيد التكاليف. وهنالك عدد من الشركات والافراد ممن يعملون على نطاق اقليمي اختاروا العمل من خارج لبنان، وهذا الاختيار تعزز بالأخبار المتواترة عن زيادات ضريبية مقترحة.

واذا اخذنا مثلاً قبرص التي هي عضو في السوق الاوروبية وعلى مقربة من لبنان، نجد ان خدمات الهاتف والانترنت فيها هي افضل بكثير مما هي في لبنان، كما ان قبرص اختارت من اجل المحافظة على عدد شركات "الاوف شور" التي تسجلت في الجزيرة، ومنها 2800 شركة روسية الملكية، فرض ضريبة 10 في المئة على الارباح، ولا تلحق بها ضريبة على توزيع الارباح.

اما في لبنان، فإن أي شركة تعاني انقطاع الكهرباء، ووسائل الاستعاضة المكلفة عن التيار الكهربائي من مؤسسة كهرباء لبنان، وارتفاع تكاليف الاتصالات، كما معدل ضريبة بنسبة 15 في المئة على الارباح يضاف اليها في حال التوزيع 10 في المئة، الامر الذي يعني ان العبء يصير على مستوى 23,5 في المئة.

من الواضح ان ثمة منافسة لمصلحة قبرص وخصوصا بالنسبة الى شركات الخدمات، مثل شركات المحاسبة والإنشاءات وتوفير الخدمات التقنية الفنية، وحتى شركات النقل سواء بواسطة الطائرات او السفن، ويضاف الى ذلك ان الاستقرار في قبرص يشجع حركة السياحة، التي هي للجزيرة الصغيرة التي يقصدها اكثر من مليوني سائح سنوياً، عنصر اساسي في نجاحها بتخطي مستويات الدخل في لبنان بثلاثة اضعاف على الاقل.

مشكلة الاتصالات، والاستثمارات في لبنان، تشكو من ميل بعض السياسيين الى المبالغة في الحفاظ على مصلحة الوطن، التي يعتبرونها ممثلة بالدولة، وهم لا ينظرون الى فاعلية الدولة في توفير الخدمات الاساسية والمناخ الاستثماري. ومعلوم ان قياس سهولة إنشاء الشركات وإطلاق اعمالها في لبنان، يضع البلد في موقع متوسط بين مختلف بلدان حوض المتوسط وليس في موقع متقدم.

واذا راجعنا تاريخنا الحديث من حيث خدمات الهاتف الخليوي والانترنت، ندرك كم نحن تأخرنا عن اللحاق بالتطورات التقنية والتشريعات في بلدان المنطقة وعلى الصعيد الدولي.
عام 2002 وبناء على اصرار الرئيس اميل لحود، الذي انطلق من اعتبارات وطنية اكثر منها اعتبارات تمهد لتشجيع الاعمال والاستثمار، قررت الحكومة اللبنانية استعادة رخصتي الخليوي في لبنان، لان المداخيل تجاوزت كل التوقعات. ولا بأس بالتذكير بأن تقدير عدد المشتركين حين إدخال الخدمة عام 1993 راوح حول الـ50 الف مشترك باستثناء الرئيس رفيق الحريري الذي كان يجزم بان عدد المشتركين سيفوق هذا العدد بكثير مع انقضاء الوقت وتحسن نوعية الخدمات.

الحكومة استعادت الرخصتين، ومن ثم تعاقدت على تشغيلهما، لكن العقود التي انجزت في ذلك الوقت لم تفرض على الشركات المشغلة تطوير الشبكة وترميمها وإدخال خدمات جديدة بدأت تظهر في البلدان المتطورة.
في ما عدا بعض الخدمات التي أدخلت، انحصر تطوير الشبكات بأعمال بسيطة، لان الحكومة او الوزارة لم تقدم على التطوير بالسرعة المناسبة والمعايير الدولية المتطورة، فاذا بنا نقدم خدمات متردية وبكلفة مرتفعة وليس هنالك في الافق ما يشير الى تحسين جذري على صعيد النوعية والكلفة.

على ان اللبنانيين عبر شركات أنشأؤها لتوفير خدمات الاتصالات، حققوا نجاحات كبيرة في أسواق متنوعة منها جنوب افريقيا، وتركيا، وسوريا، وارمينيا، ونيجيريا، والعراق، وباكستان، وبنغلادش… الخ. وعدد المشتركين في خدمات شركات يملكها لبنانيون تماما، او بالمشاركة مع بعض افضل الشركات العالمية، يفوق الـ35 مليون مشترك، وهؤلاء جميعاً يحوزون خدمات افضل من الخدمات في لبنان.

والسؤال هو، لو كنا نقدم المصلحة الوطنية على صعيد الاستثمار والنجاح في الاعمال على المصالح الخاصة ألم يكن في الإمكان ان نحوز خدمات شركات لبنانية من النوع المشار اليه؟ ولو كان لبنان مركزا اساسيا لشركات خدمات الاتصالات، ألم يكن ممكنا تشغيل آلاف من الشباب اللبنانيين في هذا الحقل التقني المتقدم؟ ومعلوم ان ارضية متطورة للاتصالات تفسح في مجال تطوير خدمات البرامج المعلوماتية والالكترونية للتطبيق في نطاق حقل الاتصالات والاعمال المالية، والخدمات التقنية المتقدمة.

ان ما خسرناه بسبب النظرة الضيقة الى مستوجبات المعاصرة والتطوير، وما نعانيه من تقاعس في مختلف المراكز الاساسية لخدمة المواطنين، امر يبعث على مقاربة اليأس، مع العلم ان فرح اللبنانيين بالحياة والنشاط لا يوصف ولا يقارن والخوف كل الخوف ان تنقلب هذه الروح نتيجة ممارسات الحكم العقيمة الى السلبية والاتكالية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل