#dfp #adsense

عسكر لبنان في زمن الجيوش الحامية لشعوبها

حجم الخط

يواصل السفير الأسدي في لبنان علي عبدالكريم علي حملة الضغط العلنية والمستترة على مؤسسات الدولة اللبنانية السياسية والأمنية، في محاولة لوضع الاولويات الخاصة بنظامه على طاولة القرار سواء في رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو على مستوى السلوك الأمني للأجهزة اللبنانية، من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام..

ولعل أبرز معالم هذه الحملة، هو ذلك التصريح التهديد الذي أطلقه السفير الأسدي من السرايا الكبير، وأعلن فيه صراحة غضب نظامه مما اعتبره تقصيراً رسمياً لبنانياً في لجم الانتقادات لجرائم هذه النظام، والتي بلغت ذروتها مع موقف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال زيارته الى بيروت.. وتوسّعت مع أشكال التضامن المتواصل من شرائح لبنانية كبيرة مع الشعب السوري، وصولاً الى تسريب أخبار وهمية عن إلقاء القبض على مجموعة تهرّب السلاح من عرسال، نسبتها قناة "NBN" الى الجيش اللبناني، ولم يؤكدها أي مصدر أمني أو إعلامي، تبعه الادعاء بإدخال الإيرانيين الأسرى لدى الجيش السوري الحر الى شمال لبنان، لتستمر حملة التسريبات بنشر سلسلة تحقيقات لعناصر مزعومة لا يعرفها ولا يملك التحقق من هويتها أحد عبر صحيفة "الأخبار" تخللها ادعاء هذه العناصر بأنها تتحرك للقيام بعمليات مسلحة في الداخل السوري انطلاقاً من الأراضي اللبنانية..

بالتزامن مع الحملة الإعلامية كان الخطاب السياسي لقوى 8 آذار بلغ ذروته مع تسريب "حزب الله" لموقف خلاصته أنه لن يسمح بسقوط نظام بشار الأسد مهما كانت التكاليف ولو اقتضى الأمر فتح جبهة القتال مع العدو الصهيوني.

في هذه الأجواء، أطلق الجيش اللبناني عملية عسكرية واسعة في منطقة وادي خالد وجبل أكروم، ضمن سلسلة عمليات متلاحقة قالت مصادر أمنية إنها ستكون متلاحقة ولا تقتصر على الحدود الشمالية، مع انكشاف مضمون اجتماعات اللجنة السورية اللبنانية لمحافظتي بعلبك الهرمل اللبنانية وحمص السورية واتضاح أن الجانب السوري قدّم لائحة أسماء لمطلوبين لديه بدعوى أنهم مهربون للسلاح.

سارع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى القول إن عملية الجيش مغطاة بقرار سياسي وإن التنسيق مع الجانب السوري يتم عبر اللجان المشتركة، في حين صدرت مواقف احتجاج عالية المستوى من قوى 14 آذار، اعتبرت في خلاصتها أن أخطر ما في الحملة العسكرية للجيش أنها جاءت استجابة لضغوط النظام السوري وأنها، إذا كانت بالحجم والخطورة التي تتحدث عنها المصادر الأمنية، فإنها في هذه اللحظة الإقليمية الخطرة، لا تقل أهمية عن معركة الجيش مع تنظيم "فتح الإسلام" الإرهابي، تلك المعركة التي لم يكن للجيش أن يحسمها لولا التغطية السياسية والشعبية التي قدمتها قوى 14 آذار وفي مقدمها "تيار المستقبل".. وكان يتعيّن إذا كان ما يحصل بهذا المستوى من الخطورة، حصول إجماع وطني حولها، خصوصاً أن تحركات الجيش في مناطق لبنانية أخرى يخضع للأمن بالتراضي كما أثبتت الأحداث والظروف السابقة، من دون أن تكون تداعيات عدوان 7 أيار الإثبات الوحيد في هذا السياق..

إلا أن النقاش الحقيقي يجب أن يدور حول أهداف وجدوى العملية الأمنية التي يقوم بها الجيش: هل المقصود منها مكافحة ما يعتقد البعض أنه تجارة أسلحة يفيد منها؟

أين يقف الجيش من حقيقة أن أغلبية السلاح المُباع والذي يجري إدخاله الى سوريا لصالح الدفاع عن المدنيين، مصدره قوى 8 آذار، ولا يزال اللبنانيون يذكرون كيف قام نجل الشيخ محمد يزبك ببيع مخزن سلاح كبير في البقاع تسرّب عبر الحدود الى سوريا. كما أن الطرابلسيين يذكرون أيضاً كيف قام بعض المحسوبين على الوزير فيصل كرامي ببيع كميات سلاح كان يفترض أن تكون من أسلحة "المقاومة"، عبر تجار سلاح لا ينتمون الى "تيار المستقبل" بل إن "بيئتهم الحاضنة" هي بيئة "حزب الله"، فواقع الحال أن قوى 14 آذار لا تملك من مصادر التسليح والتذخير ما يذكر، ولو أنها تملك لترجمت ذلك قبل 7 أيار وبعده.

فهل سيتصرف الجيش مع هؤلاء التجار كما يتصرف مع مشتبه فيهم من بيئة أخرى مختلفة، وهل سيكون بإمكانه تجاوز الخطوط السياسية الحمراء التي سبق أن وقف عندها في أكثر من محطة؟
أما السؤال الأهم فهو: هل تستجيب عملية الجيش العسكرية لنداءات أهالي وادي خالد وأكروم وعرسال، المطالبة بالحماية من عدوان كتائب الأسد التي تجتاح الأراضي اللبنانية وتنتهك حرمتها، وتقتل أبناءها من دون رادع أو محاسب؟
أين أصبح التحقيق في اغتيال أبناء وادي خالد الثلاثة الذين قتلتهم كتائب الأسد، وأين أصبح التحقيق في مقتل وجرح الصيادين الثلاثة على يد بحرية الأسد؟ ألم يثبت للقاصي والداني براءة الصيادين من تهريب السلاح في مركبهم الصغير؟ فأين ملاحقة هذه القضية وأين حرمة الدم اللبناني؟

هذا الواقع يدفعنا الى التساؤل: هل سيكتفي جيشنا اللبناني بملاحقة مدخلي السلاح المزعومين الى سوريا، من دون حماية الحدود من التعديات المتواصلة لكتائب الأسد، وهل نوقش في اللجان المشتركة السورية اللبنانية، التي تحدث عنها الرئيس ميقاتي، وسائل وضمانات عدم تعرض الأراضي اللبنانية وأهلها للمزيد من البطش والقتل والإرهاب؟ هل تجرأ المندوبون اللبنانيون على رفض خروقات النظام السوري لسيادة دولتهم وحدودها؟

تعرف قيادة الجيش اللبناني موقع الجيش في عكار ومكانته لدى أهلها ونوابها على حد سواء، وهؤلاء مدركون لحراجة موقف القيادة العسكرية بسبب تراكم الضغوط عليها، وإذا كان لا بد من اتخاذ خطوات ذات طابع أمني مرتبطة بالملف السوري، فلا يمكن أن تكون متبورة او مقتصرة على إجراءات يمكن تفسيرها على انها استجابة لضغط النظام السوري، بل ان المطلوب خطوات متكاملة تضمن أمن الحدود وحماية الناس وفي ضوء ذلك يمكن الحديث عن ملاحقة مهربي السلاح، مع اعتقادنا ان ما يرتكبه النظام كفيل باستفزاز مشاعر الناس الذين يشاهدون آلة النظام القاتلة تنشر الموت من حدود لبنان الى الحدود مع تركيا.. وباندفاع الناس لنصرة الضحايا الذين يهربون بحياتهم عبر الحدود.

اما الرئيس ميقاتي الذي سارع الى تغطية العملية العسكرية، دون أن يخبرنا عن نتائج اجتماعات اللجان المشتركة بين ممثلي نظام الاسد والجانب اللبناني، وما هي الدوافع التي أعادت تفعيل هذه اللجان رغم الاعتداءات المتواصلة لشبيحة الاسد على الاراضي اللبنانية وعلى المواطنين اللبنانيين؟ وكيف يمكن فهم تلقي املاءات ممثلي النظام السوري دون اثارة الاحتجاج لديهم على جرائم قواتهم تجاه أهلنا في المناطق الحدودية؟

لم يخبرنا الرئيس ميقاتي عن السياسة الحكومية تجاه استمرار نزوح المواطنين السوريين الى درجة لم يعد ممكناً استيعابهم في المنازل لدى العائلات التي تشاطرهم شظف العيش وصعوبة تحصيل الرزق.. وما هو مصير هؤلاء الآلاف النازحين السوريين الفارين من جحيم النظام السوري، ولماذا ترفض حكومته تحويل او تقاسم المسؤولية عنهم مع منظمات الاغاثة العالمية التابعة للأمم المتحدة والخاصة باغاثة اللاجئين، ما دامت غير قادرة على هذا العبء الثقيل، وما الذي يمنع اشراف الجيش اللبناني على مخيم أو أكثر لهؤلاء المنكوبين، ولماذا أصبح مخيم اللاجئين محرماً في لبنان، على السوريين النازحين، بينما الطبيعي مع أي كارثة لجوء في العالم ان تنشأ المخيمات؟

هل يريد ميقاتي ان يقنعنا انه اقتنع بدوره بخرافة ان مخيم اللجوء الانساني سيكون مركز تدريب عسكري لصالح المعارضة السورية، وهو ما دأبت على اجتراره ابواق قوى 8 آذار، في موقف يخلو من كل منطق وتعقل، بل يستند الى قاعدة ترسيخ الكذب وتثبيت الافتراء والاطلاق الدائم للحملات الاستباقية في وجه أي خطوة للاعتراف بوجود نازحين أو لاجئين سوريين في لبنان، لكن المؤكد في هذا المجال ان استمرار المذبحة المفتوحة التي يديرها رأس النظام السوري، سيجعل مناطق الحدود مع سوريا تتخم بالضحايا المتناثرين يروون حكايات الموت المرعبة، فهل سيقفل لبنان حدوده في وجوههم ويتركهم لقمة سائغة لآلة القتل التي تلاحقهم..؟

الجيش لحماية الشعب

تعتبر خطوة الجيش اللبناني خطوة نوعية في محاولة منه لتخفيف الضغط الإقليمي عنه، والأرجح أنها جاءت بعد التسريبات حول إدخال خبراء المتفجرات الإيرانيين الخمسة الأسرى لدى الجيش السوري الحر إلى الأراضي اللبنانية، بعد إلحاح من المخابرات السورية، ليتضح أن الأمر لم يكن أكثر من إخبارية كاذبة اضطر الجيش الى التعاطي معها بالصورة التي تمت.

فعملية الجيش التي تزامنت مع تفاقم الأوضاع في سوريا ومع المذابح الدائرة في حمص وغيرها من المدن المنتفضة، يجب أن تدفع إلى التفكير في الآثار المستقبلية للربيع السوري الدامي على لبنان، خصوصاً على مستوى التعاطي الأمني، بعد أن بدأت بلدان ربيع العرب بالانتظام رغم آلام المخاض، وما يحكى عن التنسيق مع الجيش السوري يتحول يوماً بعد آخر إلى تنسيق مع جيش يرتكب جرائم بحق الإنسانية، وستطاله يد المحاكمات الدولية عاجلاً أم آجلاً، فهل من مصلحة لبنان وجيشه الاستمرار في هذا التنسيق من دون مراجعة مرحلية تستوعب التطورات وتأخذ في الاعتبار المتغيرات على الخلفية التي نشير إليها؟.

ندرك جميعاً حراجة الموقف وحجم الضغوط التي يتعرض لها الجيش، لكن نعتقد في الوقت نفسه أن ملامسة حاجة الشعب اللبناني للأمن، خصوصاً في المناطق الحدودية، الممتدة من الجنوب إلى الشمال تستدعي شفافية وتقديراً أفضل للموقف في الشمال وعكار وعرسال التي يحاول النظام السوري تنفيث حقده عليها عبر استدراج الجيش وتدبير صدام بينه وبين أهلها، وهذا ما لن يحصل بإذن الله وبوعي الجميع وحكمتهم.
([) رئيس "هيئة السكينة الاسلامية"

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل