#dfp #adsense

التدخّل العربيّ-الدوليّ… و«الاستعمار» الروسيّ

حجم الخط

في خضمّ الثورة السوريّة، وخصوصاً في الآونة الأخيرة على وَقع المجازر التي يرتكبها نظام الأسد ضدّ شعبه في حمص والمناطق الأخرى، وحيث برزت الحاجة الماسّة إلى العامل الخارجي لتكوين توازن رادع للديكتاتور، حملَ هذا النظام، مدعوماً من روسيا بشكل خاص، لواء التحذير ممّا يُسمّى "التدخّل الأجنبيّ" في المسألة السورية. وفي هذا الإطار بالتحديد، أقدمَ نظام دمشق وموسكو على ابتزاز الثورة والمعارضة السوريَّتين من ناحية، والمنظومَتين العربيّة والدوليّة من ناحية ثانية.

بطبيعة الحال، إنّ النقاش هنا لا يتوجّه إلى النظام القاتل، بل يخاطب روسيا مباشرة، ثمّ الدول العربيّة ودول العالم، وعبر هؤلاء جميعاً الشعب السوري وثورته. إنّ التدخّل المطلوب للشعب السوري من أجل حمايته وردع آلة القمع الدموي، هو تدخّل "خارجي"، وليس تدخلاً "أجنبياً"… هو تدخّل "عربي ودولي"، وليس تدخلاً "أجنبياً". وإصرار روسيا ومناوئي الثورة السوريّة على استخدام مصطلح "التدخّل الأجنبيّ" خبيث جداً، إذ يُراد من هذا المصطلح اعتبار أنّ طلب التدخّل العربي الدولي هو استدعاء لـ "الاستعمار" بالمصطلحات القديمة، ويُراد الإيحاء بأنّ الخيار هو بين بقاء النظام وبين استعمار سوريا، وهذا كذبٌ مَوصوف على الشعب السوري، وعلى الشعوب العربيّة، وعلى الرأي العام العالميّ في آن.

ليسَ ثمّة استعمار جديد في العالم، وعصر الاستعمار انتهى وولّى إلى الأبد منذ عشرات العقود. والعجيب اللافت في هذا السياق هوَ أنّ روسيا التي تعترض بالفيتو على قرار عربيّ-غربيّ داعم للسوريين بذريعة رَفض "التدخّل الأجنبيّ"، إنّما تمارس هي نفسها استعماراً أبغَض من الاستعمار السابق. فإذا كان التدخّل المطلوب لـ سوريا هو لحماية الشعب السوريّ، فإنّ روسيا تستخدم مأساة الشعب السوري للتفاوض على النفوذ ومواقع النفوذ والمصالح.

لقد حلّ، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي تحت وطأة عناوين الحريّة والكرامة والعدالة والديموقراطيّة وخلالَ العقدين ونيّف السابقَين، نظامُ قيَم عالميّ جديد. فبسقوط "المعسكر الاشتراكي" مطلع تسعينيّات القرن الماضي، لم ينهزم الشرق وينتصر الغرب. انهزم الشرق وانتصر نظامُ قِيَم جديد يتّسع بالدرجة الأولى لمعنى الإنسان وكرامة الإنسان وحقوق الإنسان، ويضغط على الدول كافّة.

ووفقاً لهذه المعاني، فإنّ الجديد على الصعيد الدوليّ منذ نحو عقدَين، الجديد الذي يتطوّر تباعاً، هو الآتي: صحيحٌ أنّ العلاقات الدوليّة، أنّ الحسابات الدوليّة، أنّ المواقف الدوليّة تنطلق من مصالح، صحيحٌ أنّ الدول تحرّكها اعتبارات المصالح، لكن الصحيح، بل الأصحّ، هو أنّ الدول باتت "تركّب" مصالحها على اعتبار مهمّ لمصالح الشعوب، أي أنّ الدول لم تعُد تركّب مصالحها على خصوصياتها ومكاسبها فقط. بمعنى آخر مُحدّد، توازَت العولمة – سِمَة المرحلة الدوليّة – مع نظام قِيَم تدفع به بقوّة شعوب العالم، أي الرأي العام الدوليّ، ولم يعُد ممكناً تجاهله.

هذا الجديد لا تفهمه روسيا، وهي تستعملُ عدّة شغل قديمة في مقاربتها للعالم وللعلاقات الدوليّة. لا تفهمه روسيا، وهيَ وريثة الاتحاد السوفياتي الذي على رغم ارتكاز عقيدته – على زمانها – على دَعم "حقّ الشعوب في تقرير مصيرها" وعلى دَعم "حركات التحرّر الوطني"، فهوَ دَعمَ في حقيقة الأمر أنظمة ديكتاتوريّة تمارس في الواقع استعماراً داخلياً، بذريعة أنّها "تقدميّة" و"مناهضة لأميركا".

وهذا الجديد الذي لا تفهمه روسيا، بات يُجبر دول العالم على تقاطع مصالحها مع مصالح شعوب… مع نظام قيم. ولا يعني هذا القول إنّ تجربة الغرب في الأعوام السابقة في العديد من الأماكن كانت بلا أثر لـ"القديم" فيها، لكن الفارق بين الغرب وروسيا هو أنّ الأوّل يتفاعل، فيما الثانية تحوّلت بالكامل إلى "سيبيريا متجمّدة".

مِن هذه المنطلقات جميعاً، ليسَ صحيحاً ما تردّده روسيا أو الصين أو "مُمانِعو" ربع الساعة الأخير من أنّ المجتمع الدولي مَعنيّ بأمرَين فقط: إسرائيل والنفط. وإذا كان من حقّ العرب، ومن حقّ الفلسطينيّين بالدرجة الأولى أن يبدوا "قرَفهم" من الدعم الأميركيّ-الغربيّ لإسرائيل، فالحقيقة أنّ العلاقات الأميركيّة والغربيّة مع إسرائيل تتغيّر، ولو ببطء، والحقيقة أيضاً أنّ إسرائيل لن تعود على ما هي عليه في أمَد منظور في أجواء الربيع العربيّ الذي يُقرأ في العالم على أنّه ثورة القرن الواحد والعشرين، وفي مناخ المعطيات الدوليّة المتطوّرة.

إنّ روسيا في دعمها نظام الأسد خارج التاريخ وخارجَ نظام القِيَم العالميّ… وستقع في أزمة قريبة في داخلها نفسه.

إذاً، نعم للتدخّل العربيّ-التركيّ-الدوليّ في المسألة السوريّة. نعم لهذا التدخّل بمعايير العصر. نعم من أجل إنقاذ الشعب السوري من فظائع الأسد، ولتمكينه من تقرير مستقبله بتوازن داخليّ هو الآن واضح ضدّ النظام، لكنه بحاجة إلى دعم عوامل خارجيّة تقابل العوامل الخارجيّة التي تدعم الديكتاتور.

إنّ كلّ المقدّمات الآنفة لا تكتمل إلّا بالتنويه بمواقف دول مجلس التعاون الخليجي.

فالنظام السوريّ وأبواقه ينعقون بمعزوفة واحدة: دوَل الخليج البلاديموقراطيّة تطالبنا بالديموقراطيّة!.

لا، هذا نفاق. فدول الخليج التي تواكب الربيع العربي وتحتضنه، تدركُ معنى ما تقوم به ربطاً بين ثورة القرن الواحد والعشرين، ذات الجذور العربيّة، وبينَ نظام القيَم العالمي المندفِع دولياً أكثر فأكثر… من أجلَ إدخال المنطقة في زمن جديد. ودولٌ تقيم هذا الربط، تدرك معنى أنّ تتطوّر هي نفسها، وأن ينهض نظام عربيّ جديد – يُحاكي موقع العرب كقوّة دافعة في العالم وعلى خارطته.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل