#dfp #adsense

الزمن الرديء

حجم الخط

صدق صاحب القول، صاحب الغبطة والنيافة، بديع زمانه وخاتم العظماء مار نصرالله بطرس صفير، حين وصّف هذا الزمن بأنّه "الزمن الرديء". فأيّ ظاهرة فيه يمكن أن يقال عنها إنّها ظاهرة صحّية، وأيّ فرصة فائدية يتوفّر لها عامل النجاح ولا تجهض، وأيّ صفقة مشبوهة لا يسكت عنها عمدا أو اضطرارا أو مراعاة، وأيّ نيّة للمساءلة لا تخنق في رحم الفكر الذي لاحت أمامه.

تتوالى عندنا فصول المعارك التي تنتهي دوما بخسارة مدويّة للشعب، في جمهورية مريضة تخضع للمحرّمات التي تخرج للعلن أكثر فأكثر، وآخرها كوميديا الحكومة والمكوّنة من مشاهد الإنحراف والهذيان السلطوي واستسلام الهيبة. والكارثة أنّ الأستفزاز يوجّه الى خصم ميت.

فالشعب، وهو صدى الله في الأوطان، مصاب بالموميائية، ومشلول بالرغم من وضعه التحنيطي. وهو بالتالي مجبر على أستراتيجيا الصمت أمام من يعتبرونه "مواطن عندهم". والمسؤولون عصابة زجّالين يتناطحون أمام "الزقّيفة" المتحمّسين، وما أن تسدل الستارة حتى يتقاسموا الغلّة بهزء. وبعد، متى يجنّز الشعب نفسه ويواري كرامته في الثرى؟

الحكومة في أيّامنا خرّيجة معهد الزغل واللاّ جدوى، وأركانها في غالبيّتهم كسبوا الرّهان على غباء الناس، فأطلّوا من باب الخطاب المطلبي الذي شكّل رافعة أمّنت لهم، ولحين، انسياقا شعبويا لا واعيا، ما لبث أن بخّره الذهول أمام الصفقات التي تبارى الكلّ في إلصاقها بغيره. وتسارع الوقت واكتملت المحاصصات ولم يدفع أحد الثمن. فالّلاعبون ماهرون بالتكتيّة، خبراء في حبك الأزمات، بارعون في ابتكار الحلول الدونكيشوتيّة، مطمئنّون الى أنّ الشعب مصاب بالدوخة على أجنحة الطواحين.

وعلى هذا، لا يمكن استبعاد مبادرات إحلال السلام بين المسنّنات في الحكومة. فالمشترك يبقي دائما تقاسم المنافع. فهل يفهم رفع السّقف تارة، وخفضه بشكل مفاجئ، إلاّ من هذا الباب؟ وهل يعني صمت وتيرة الأتّهامات المتقابلة، غير القبول بالتسويات المشبوهة؟ والعجيب أنّ الشعب لا يزال يتعامل بحذر مع هؤلاء الذين أوهموه بأنّ عندهم "القضيّة".

البلد سوق تجّار، الغلبة فيه للأفجر. فأيّ معنى إذا للتنافس والمفاضلة ؟ رحم الله زمن الأوائل لمّا كان التنافس السياسي حدوده الرقيّ والقيم. أينه من الذين يتبارون اليوم على من ينجح أكثر من سواه في الهبوط دون مستوى النّعال. وإذا سمعت المتزعّمين يصدحون، لا يسعك سوى أن تقول إنّ السفالة مرّت من هنا. إنّ شعبا فقد القيّمون عليه ورقة التين وسكت، نستكثر عليه عمد التين وحبل الموت. فمتى يتكوّن عندنا شمشون آخر يهدم السوق على من فيه، ليطلع من الرماد من يهتف: لا ردّك الله أيّها الزمن الرديء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل