شغل الناس في زمنه . علم ووزع الأسرار وأسس الخلية الأولى لجماعة مؤمنة، بناها حفنة حفنة ومدماكا مدماكا ،فتبعه كثيرون وحملوا اسمه وأصبحوا كنيسته. هو القديس مارون.
افترش أهله الصخور والوديان في لبنان من بعده. واجهوا الاضطهاد والويلات والمجازر أقوياء في الإيمان والمحبة، متضامنين متحلقين حول بطريركهم عنوان وحدتهم . فدخلوا التاريخ وشغلوا العالم أجمع. هم الموارنة.
كتب القديس يوحنا الذهبي الفم يوما إلى مارون سائلا إياه:…"قبل كل شيء أن تقدم الصلاة من أجلنا"*(1). وكتب عنه تيودوريطس أسقف قورش راعي الكنيسة ومعلمها " كان يشفي هذا من البخل وذاك من الغضب.يعلم هذا أصول القناعة ويزود ذاك وصايا البرارة. يصلح المنقاد لشهواته ويوقظ الكسول …كان الناس يقصدونه من جميع النواحي.وكان ما يجري على يده ما يبرر ذلك الصيت العظيم …فقد كانت بركته ندى سماويا". *(2)
مارون كان معلما . تلامذته سمعوا عنه قوله أن يسوع جاء ليجعل الكثيرين واحدا. فنشدوا من يومها الوحدة حول بطاركتهم "يحسبون من السعادة أن يعيشوا مع رعاياهم آمنين ومحافظين على إيمانهم القويم *(3).
نقل دنديني عنهم :"الموارنة هم رجال ثقة سليمو النية صادقو الطوية تشف ظواهرهم عن بواطنهم.ولا يوجد من بينهم ما يوجب الريبة في سلوك النساء ولا يسمع فيها ما يندى له الجبين ". وزاد:"أما معاملاتهم وعقودهم فلا تحتاج لتسجيلها ومصادقة الحكام عليها ولا يداخل احد منهم سوء ظن بقريبه"*(4).
سار الموارنة طويلا على مثل هذه الدرب ، فكانت الرعية تصهرهم وتجعلهم واحدا. عاشوا الخوف والعوز وعرفوا الاستشهاد . تشاركوا ،فتجلى في إيمانهم وفي اتحادهم ما حققه المسيحيون الأولون في كنيسة أورشليم ،كنيسة تنبت قديسين على مدى الأجيال ولا تمل. ويوم لحقوا بطاركتهم من كهف إلى آخر، تعرف العالم على كفرحي ويانوح وميفوق ولحفد وهابيل وقنوبين وبكركي. ويوم تباعدوا، تفككت الرعية ومعها لبنان.
حفل تاريخهم الطويل بكم هائل من المواقف الصعبة والحرجة تجاه الشرق والغرب في الوقت عينه .ولعل معالم قدرهم الصعب بدأ منذ العام 517 وصولا إلى القرن الحادي عشر مع الحملات الصليبية ،واستمر في الزمن في انعكاس لصراعات الدول إلى حقبات أخرى سابقة ولاحقة ل 1860 و1975.
وها هم يواجهون اليوم في لبنان وفي منطقة الشرق الأوسط أحد أكثر الأزمنة تطلبا وخطورة،مع بروز ثورة الاتصالات وانفتاح المجتمعات على بعضها البعض. وإذ تحولت الكرة الأرضية إلى قرية كونية ،تضاعفت دقة اتخاذ الموقف والتفاني في تظهيره، إلى جانب ظهور تحديات هائلة تطال إشكاليات وجودية وإيمانية وثقافية وحضارية .
لقد أدى التفاعل في مفاهيم الأوطان والمصالح القومية تزامنا مع إزالة الحدود الاقتصادية في بلاد الغرب، إلى تفجر الاضطرابات المجتمعية داخل اتحاداتها الاقتصادية. وفي الشرق ،أدى التوق إلى الحرية والديمقراطية وهذا التفاعل مع العولمة الاجتماعية – الاقتصادية إلى ثورات ربيعية، تفاقمت مع التضارب بين خصوصية الأقليات وتمثيل الاكثريات.
صحيح أن ربيع لبنان ظهر قبل أكثر من خمسين عاما من ربيع المنطقة، إلا انه ربيع قاسى الأمرين، إذ تناسب تفتح براعمه مع خريف كئيب عرفه العالم العربي. ولعل في العودة إلى مارون الذي شكل هدية للمشرق في القرن الرابع ،الدور والرسالة للموارنة لتحمل مسؤوليتهم مجددا تجاه لبنان والمنطقة في القرن الواحد والعشرين،في سبيل ربيع شامل مرتجى.
مارون جسد صلابة الجذور وانفتاح الأغصان، جاعلا الجماعة المتنوعة قلبا واحدا وروحا واحدة. وهي الرسالة الملحة والجوهرية للموارنة تجاه لبنان والشرق عامة اليوم . إنها تجسيد لصلابة الجذور المشرقية التي تحضن الشجرة الواحدة في انفتاح وتعدد أغصانها. الشجرة الحاملة لعدالة النظم الديمقراطية والمساواة بين الأفراد وقدسية حقوق الجماعات، في أغصان تتآلف ولا تذوب، وتنمو وجوديا وإيمانيا وثقافيا وحضاريا.
إن لبنان كما الشرق بحاجة إلى عقد جديد يرسي الحوار في مواجهة الإلغاء، والمحبة في وجه الحقد ،والمعرفة بدل الجهل. إنها رسالة لبنان في الاستقرار والعدالة والسلام. إنها رسالته إلى الشرق . وبدوره ،يرفع الشرق – هذه الأرض العابقة ببخور الكتب المقدسة – إلى العالم أجمع ،رسالة الغنى في التعدد والوحدة في التنوع،فندخل القرن الجديد في مرحلة وعي خاصة ، تظهر إلى جانب حقوق الأفراد رسالة الإنسان الكبرى التي طبعها الله في قلبه.
*1و2 كتاب الشرح المختصر في أصل الموارنة للبطريرك الدويهي. *3 الجامع المفصل في تاريخ الموارنة للمطران الدبس.
*4 رحلة ايرونيموس دنديني إلى لبنان 1596.