أتراها "فاتحة مبكرة" أو "فتحاً مبيناً" مُبكّراً، لعهد "الإخوان" (وصولاً إلى السلفيين) في مصر، "لاحا"، أو لُوّح بهما، من خلال الحكم "المُتأخر" الذي صدر بحق الفنان الكبير عادل إمام بحبسه ثلاثة أشهر "لازدرائه الإسلام" في بعض أفلامه التي انتقد فيها بشدة عنف الأصوليين ومنحاهم أيام عهدي السادات ومبارك؛ أتراها "رسالة" ملغمة برسم المثقفين والكتّاب والمفكرين اليساريين والليبراليين، وخصوصاً اليوم، بعد الثورة، "ائتلاف شباب الثورة"، فالذين اغتالوا فرج فودة واعتدوا على الكبير نجيب محفوظ وأثاروا ضجيجاً "تكفيرياً" حول روايته الرائعة "اولاد حاراتنا" ووصموها بالكفر "مما حمل صاحب "زقاق المدق" و"اللص والكلاب" إلى التنصل منها، لا خوفاً من هؤلاء بل مداراة للواقع، ولأنه لا يجيد المواجهات المباشرة.
قد نقول إن عادل إمام تماهى كثيراً بنظام مبارك، ولم يقف إلى جانب الثورة عند اندلاعها وكان موضع هجوم وانتقاد من شباب الميادين؛ وقد نقول إن عادل امام تساهل كثيراً إزاء تصرفات النظام السابق. وقد نقول إنه تمادى كثيراً في السكوت عن أمور لا يمكن السكوت عنها.. لكن عادل إمام واجه ارهاب هؤلاء بشجاعة نادرة عندما أهدروا دمه، وتعرض لتهديدات مباشرة منهم، بالتصفية، وبقي على اقتناعاته. وهذا يحسب له، خصوصاً وان مثقفين كباراً في مصر، سواء تماهوا بالنظام أم لم يتماهوا، لم يسلموا لا من جوقات "التكفير" ولا من دعاوى هؤلاء كجابر عصفور، وأحمد عبد المعطي حجازي وناصر حمد أبو زيد وجمال الغيطاني ويوسف شاهين وحلمي سالم… الخ.
كانت هناك مواجهة بين المثقفين المدنيين والليبراليين واليساريين والقوميين وبين الأخوان. لكن كانت من الموقع المعارض لهؤلاء (المعارض علناً على الأقل) مما شكل في احيان كثيرة نوعاً من الإرهاب المعلن. بل أكثر: يُقال إن النظام السابق أعطى الأخوان "مساحات واسعة من السلطة في مجال المحاكم والقضاء، لكي يستخدم الأخوان انفسهم كفزاعة في وجه المثقفين، (وهنا اللقاء الموضوعي بين قمع السلطة وقمع الاخوان أو فلنقل لقاء المصالح) أو كعصا ترفع فوق رؤوسهم. بل نكاد نقول إن اتفاقاً ضمنياً مزدوجاً بين هذين الطرفين لتشكيل أداة قمع لكل من يتجاوز سقوف النقد والاحتجاج من فنانين ومفكرين وكتاب. وهل اختلف الأمر اليوم؟ ربما! من حيث موقع الأخوان الجديد في السلطة لكن بقي على حاله من ناحية استمرار التوافق على القمع بين المجلس العسكري وبينهم! بل كأنه مؤشر آخر لمحاولة الحد من حرية التعبير التي نشهدها سواء في ميدان التحرير، أو في الصحف، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والعودة إلى لغة "الصوت الواحد"، وهو اليوم بنبرتين مؤتلفتين: الاخوان والعسكر. كأنه الحلف "الشيطاني" المتواصل، بإيقاع سلطتين يُخشى انهما يُعِدّا العدة لإجهاض الثورة ومطالبها ومصادرة مكاسبها وعلى رأسها عودة العسكر إلى الثكنات، وحرية المعتقد والقول والفكر والكتابة، والديموقراطية المباشرة والمحاسبة والنقد. وكلها أمور لا يستحبها لا "عسكر الأخوان" ولا "اخوان العسكر". فالعسكر يريد أن يستعيد "مجد" النظام السابق بما يماثله عبر التقدم كواجهة ساطعة، او كقناع صَفيق. و"الأخوان يحلمون بأن يحكموا بذهنية "عسكر الإيمان" بتغيير قبعة العسكر بالعمامة". والمرجعية "الثورية" (الاشتراكية!) بالمرجعية "الثورية" "الإلهية". ولا بأس إن تبادل هؤلاء الأدوار، أو استعان أحدهما بالآخر: كأن يستخدم العسكر "الأخوان" (كما في السابق) لترهيب شباب الثورة والمعارضة بالفتاوى والقضاء، أو ان يستخدم الأخوان العسكر باستخدام القمع، والمنع والردع. كأنما الدوران يكمل كل منهما الآخر. فالمهم، أن تبقى سلطة العسكر حتى عندما "يتنحون" والمهم أن يستبد الأخوان حتى عندما يتكلمون عن التسامح. ولهذا فالمقدمات كلها تنذر بمثل هذه التوقعات: 1) شق الأخوان وحدة الثورة في ميدانين. 2) تهافت الأخوان على "السلطة" عبر صناديق الاقتراع بشعارات ووسائل تنافي أهداف الثورة مخلّفين "حلفاءَهم" في الميادين وسط غبار من كلام قديم استرجعوه: كمثل "الكفار"، "المزدرين للاسلام"، والعملاء للخارج. 3) انحيازهم إلى العسكر على حساب تنكرهم لدور الثوار. 4) مقاطعتهم العديد من التظاهرات والاعتصامات وشن حملات تهجّم وافتراء على شباب الثورة. 5) حؤولهم مع السلفيين دون وصول المتظاهرين إلى مجلس الشعب. 6) التواطؤ السافر الذي عبّروا عنه إزاء قمع العسكر والأمن للمتظاهرين. 7) تحريف الخطاب الثوري المعلن (وافقوا عليه أثناء التحركات) وتجزئته وخيانة المبادئ الأساسية لمكونات المجتمع المدني. 8) وأخيراً استغلالهم لمواقعهم "السلطوية" الجديدة لاسترجاع النغمة القديمة باتهام من يعارضهم أو عارضهم (في السابق) من كتّاب وفنانين ومفكرين وسياسيين بازدراء الاسلام أو بالكفر. أو بمحاصرتهم (ربما بعد ذلك) بالفتاوى والدعاوى عبر استنهاض بعض أدواتهم بتهديد بنيات المجتمع المدني وحرية التعبير وصولاً إلى ضرب تقاليد الحياة والفن والأدب، أي تهديد كل المنظومات الإبداعية في السينما والكتب والتلفزيون والإذاعة والمجلات والجرائد.
ونظن أن الحكم الذي صدر بحق الفنان عادل إمام هو اشارة إلى ما ينوي هؤلاء تفعيله بعد وصولهم إلى السلطة؛ ولا نرى في ذلك مجرد "ثأر" من صاحب "طيور الظلام" ، أو "الارهابي".. أو "الزعيم"، بقدر ما هو ابقاء سيف الإرهاب (السلطوي الجديد) مصلتاً فوق الرؤوس. والغريب أن هؤلاء ما زالوا يخلطون بين توجيه النقد إلى سلوكهم وبين "الله"، كأن يعتبروا أن معارضتهم هي معارضة لله؛ وان نقدهم هو نقد للدين: كأنهم حقاً "آلهة" او ممثلون عنها، أو "مقدسون" مثلها وهذا ما عرفناه في الأنظمة الاستبدادية "العلمانية" التي كانت كما هي بين "الآلهة" والطاغية، بين الانسان والمقدس؛ ونتذكر بوضوح كيف وضع الطغاة في مصاف الأولياء والقديسين والأنبياء، "كمقدسات" تحرّم التعرض إليهم بغير "الابتهال" والصلوات والقدسية. وكذلك عرفنا جيداً مثل هذه الظواهر عند بعض الثورات والظواهر الدينية القديمة والمعاصرة من "محاكم التفتيش" في القرون الوسطى إلى حركات "طالبان" و"القاعدة" وحزب الله (عندنا بإذنه تعالى في لبنان) من دون أن ننسى ولاية الفقيه وسلطته "الالهية" كمرشد مطلق، فوق الطبيعة الانسانية وفوق الخطأ… وهذا بالذات ما حرك الشعب الإيراني في "الثورة الخضراء" الكامنة في انتظار الظروف المناسبة لاستنهاضها من جديد… واذا كانت الثورة الخمينية صَفَّتْ كل حلفائها لاسقاط نظام الشاه من يساريين وليبراليين ومدنيين ومناضلين، فإننا نظن أن الأخوان "لن يترددوا لمحاولة استفراد السلطة على حساب حلفائهم في الميادين.
لكن ولحسن الحظ لن تنجح محاولات الأخوان ولا العسكر، هذه المرة. فزمن الطاغية الواحد والحزب الخالد والنظام الكامل قد ولّى. وان كل مراودة لهؤلاء سواء في مصر أو في ليبيا أو في تونس أو اليمن (وصولاً إلى سوريا) ستكون وبالاً عليهم وسقوطهم مدوياً لهم: فجدران الخوف التي رفعت على امتداد ستة عقود تدركبت إلى الأبد. ووسائل الاتصال الاجتماعي واليوتيوب والهواتف مستعصية على العماء والصمم والتعطيل، وان زمن الأيديولوجيات الحديدي من طائفية ودينية وعلمانية باتت من متاع الماضي؛ فالجماهير التي حطمت كل القيود لن تقبل بقيود جديدة تعطب حقوقها في الحرية والاختيار والتظاهر والمواجهة والمقاومة. فميدان التحرير في القاهرة لم يحرره "الاخوان" ولا العسكر" ولا الأحزاب التقليدية والتاريخية وحدهم. فالمبادرة لم تكن لهم بل للثوار الأصليين، اللامنتمين الايجابيين، حاملين "الشرارة" الأولى من دم خالد سعيد في بور سعيد، وحتى اليوم. ولن يحول وصول هؤلاء، وبمثل الظروف المعروفة إلى الحكم، إلغاء الإرادة الثورية ومساحاتها الميدانية في ارجاء مصر؛ فالمعتصمون في الميدان ما زالوا هناك. ضمائر الثورة. وخمائرها. وهم يعرفون جيداً مناورات الأخوان والعسكر وأهدافهم القريبة والبعيدة في تصفية أصواتهم وأحلامهم في قيام جمهورية مدنية ديموقراطية تعددية. ولن ترهبهم اشكال القمع الدموي كما حصل في بور سعيد، لتشويه صورتهم وحملهم على التخلي عن انجازاتهم.
وهنا يبدو تبادل الأدوار بين العسكر و"الأخوانجية"؛ فالأمن يحاول عبر ممارساته، (كما جرى في المباراة بين "الأهلي" و"المصري" إلى تخويف الناس وتصوير أمنهم مهدداً لتحويل الأنظار عن تردده في تسليم السلطة، و"الأخوان" يهددون المعارضين بسيف القضاء والمحاسبة والتكفير، كما سبق ان فعلوا مع نصر حامد بو زيد، وجابر عصفور وحلمي سالم… ونجيب محفوظ. انه ترهيب مزدوج: بفزاعة دينية وبقضاء مستلب.
ولهذا نتوقع من شباب الثورة الميدانية ، وفي وسائط الاتصال، ووسائل الاعلام، أن يستمروا حيث يريدهم هؤلاء ان يتراجعوا، وأن يتقدموا حيث يريدهم هؤلاء ان يتقهقروا، وان يردّوا التحديات المقبلة بما يناسبها، بالتعاضد بين مختلف الأصوات والشرائح والقطاعات المدنية والفنية والثقافية والسياسية. فوحدتهم ضمان استمرارهم أولاً وأخيراً، وتجاوز نقاط الاختلاف الميدانية والتفصيلية لصالح جبهة واحدة منسجمة وقوية لأن الزمن الآتي زمن التحديات الكبرى: ان تكون الثورة بإنجازاتها أو لا تكون. أن تكون الجمهورية الديموقراطية المدنية أو لا تكون…
على هذا الأساس نرى وجوب التضامن مع عادل إمام "وتخطي" مآخذ سابقة وعميمة عليه، لأنه ليس المستهدف وحده… وإنما من خلاله مختلف الأصوات الفنية والفكرية والأدبية والثقافية المتشبثة بروح الثورة، وبمبادئها، وبأهدافها وبإنجازاتها!
إنها ملامح الثورة المضادة… فقاوموها!