مع الاحترام الكامل لرأي السيد حسن نصرالله امين عام حزب الله، الايجابي حيال الحكومة، حيث اعتبر انها «اساس الاستقرار في لبنان» الاّ ان واقع الامور، بالنسبة الى اكثرية اللبنانيين، يختلف عن موقف السيد حسن، قياساً على سوء تصرّف عدد من وزرائها، وعلى تخبّطها في متاهات قانونية واجتماعية وسياسية عديدة، وعلى سياسة الكيد والاستئثار التي يحاول فريق من الوزراء اقحام الحكومة فيها، بحيث ان «السيرة الذاتية» لهذه الحكومة، بالكاد تؤهلها ان تكون مجلساً بلدياً في قرية صغيرة، مع تقديري وانحنائي لرؤساء البلديات واعضائها، لانهم على الاقل، تم اختيارهم بالانتخاب الحرّ من الناس، أما قول السيد حسن بأن الوقت الآن ليس وقت تغيير حكومات، فهو صحيح اذا كان القصد ان وجود حكومة «كيفما كانت» أفضل بكثير من عدم وجودها، امّا الصحيح الكامل، فهو الذهاب، امّا الى حكومة انقاذ وطني في هذه الظروف المضطربة داخلياً وعربياً واقليمياً، تجنّب لبنان التوتر والانقسام، او حكومة غير سياسية تنصرف الى الاهتمام بأمور الناس وحاجاتهم وقضاياهم، بعيداً من تدخل الاحزاب والطوائف والمذاهب، وليس لها من مرجعية سوى الدستور والقوانين والضمير الحيّ، والكفّ النظيف. وهذه الميزات غيرمتوفّرة مع الاسف، في عمل هذه الحكومة ونهجها، باستثناء عدد قليل من الوزراء.
لا يمكن تأمين الاستقرار، في ظل حكومة، يهدد وزراء فيها بالتظاهر وقطع الطرقات وتعطيل الحكومة، ولا يمكن تأمينه بوجود وزراء يخالفون الدستور «عينك بنت عينك» ويرفضون توقيع مراسيم تتعلق بمصالح المواطنين ومعيشتهم، ولا يمكن للحكومة ان تحفظ الاستقرار عندما يحوّل بعض الوزراء وزاراتهم الى ملكية خاصة اشبه بالمزرعة، لا يفيد منها سوى المحاسيب والانصار والمستشارين، وقطعاً لا يتركّز الاستقرار عندما يهرب رئيس الحكومة من صلاحيات ايجابية مفيدة، الى صلاحيات سلبية، كمثل تعليق جلسات مجلس الوزراء، وفوق كل هذا، يتساءل الناس، هل يتأمّن الاستقرار بالتهجّم على رئيس البلاد، واتهامه بالتعطيل، وغير ذلك من الكلام الممجوج.
سبحة مساوئ هذه الحكومة طويلة، وهي على كل شفة ولسان، «ومنفلشة» على جميع القطاعات من دون استثناء، من الغلاء وفوضى الاسعار، الى الصفقات والسمسرات، مروراً بالادارة المهترئة، وتسلّط القباضيات والمدعومين، واستباحة القوانين والاخلاق و«هيبة» الدولة».
ان حكومة «كل مين ايدو إلو» هذه، عاقر انتاجياً، حتى ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، اعرب عن عدم رضاه عن انتاجيتها، وهذا وضع طبيعي مع وزراء لا يهمّهم سوى المناكفة والمشاكسة والتفتيش عن الوسائل التي تؤمّن لهم «الاصوات» في الانتخابات النيابية المقبلة، والحكومة بالنسبة اليهم عبارة عن دجاجة تبيض خدمات وتنفيعات ومشاريع مليئة.
* * * *
اما بالنسبة الى الاستقرار الذي ينشده كل لبناني في خضمّ هذا النزف العربي الكبير في الدم والعلاقات، فان تحقيقه وقف على وجود نيّات حسنة، لدى القيادات السياسية المؤثرة الفاعلة، وعلى احترام بعضهم بعضاً، واعتراف بعضهم ببعض، وتصميمهم الحقيقي على تجنيب البلد خضّات امنية، تؤثر في الاستقرار والسلم الاهلي، ويمكن لحكومة ضعيفة مفككة مثل هذه الحكومة، ان تجرّ هذه القيادات الى مواقف قد لا تكون راغبة بها، بل تنقاد اليها انقياداً، او ربما يكون الوضع عكسياً، حيث يسهل عند البعض اخذ مثل هذه الحكومة الى مواقف قد تكون سبباً في زعزعة الاستقرار.
المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، والذي اؤتمن على القليل وفشل وفرّط، لا يمكن تجديد البيعة له، واعطاؤه الكثير ليأتمن عليه، وحاجات الناس هي القليل التي فرّطت بها الحكومة، فهل يمكن لها ان تؤتمن على الكثير الذي هو استقرار البلد وسلمه الاهلي وعيشه المشترك.
في ادبيات الدين الاسلامي، قول مأثور ينطبق على الحكومة وهو ان «اكرام الميت دفنه» فادفنوا هذه الحكومة، يا رعاكم الله، التي لم تمت بالامس، بل ولدت ميتة، لانها كانت نتاج الكيد والتعسّف، واريحوا المواطنين من بلاها.