كتب سمير تويني من باريس في "النهار": لم يذكر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي سوريا خلال محادثاته في باريس مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لكنه طالبه بدعم الموقف اللبناني الداعي الى تحييد لبنان، فأبدى ساركوزي تفهمه ووعد بهذا الدعم. ويمكن القول ان رئيس الحكومة تمكّن من كسر الجليد بينه وبين السلطات الفرنسية، اما اللافت في كلامه فكان وصفه "الربيع العربي" بالـ"حركات"، ودعوته الى استبدالها بالسعي الى تحقيق سلام لان لا استقرار في المنطقة بدونه".
وصل ميقاتي مساء الخميس الى العاصمة الفرنسية وبحث امس مع ساركوزي الشق السياسي بينما تناول مع رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فييون الشق الاقتصادي. وتشكل الزيارة مناسبة لميقاتي لابعاد "صبغة" حليف سوريا و"حزب الله" عنه واستبدالها بصورة رجل دولة مستقل يتطلع الى مستقبل لبنان، للحصول على مزيد من الدعم لحكومته في ظروف اقليمية بالغة التوتر في الملف السوري باختلاف تشعباته.
من هذا المنظار دافع ميقاتي امام السلطات الفرنسية التي تتفهم الموقف اللبناني عن حياد لبنان في الازمة السورية في حين تدعو باريس الى تشديد العقوبات ضد دمشق. لكن لبنان وفرنسا متفقتان على ان تصدير الازمة السورية الى لبنان خطير جداً لان اللبنانيين منقسمون على هذا الموضوع.
وقال ميقاتي بعد اجتماع دام 45 دقيقة مع ساركوزي: "سعدت باللقاء مع الرئيس الفرنسي وتطرق الحديث الى تنمية العلاقات الثنائية بين البلدين. وتعلمون ان العلاقات بين لبنان وفرنسا هي على كل الاصعدة: الثقافية والتربوية والاقتصادية".
وقال: "تحدثنا طبعاً عن الموضوع السياسي، والاهم وجود القوة الدولية في الجنوب اللبناني والمساهمة الفرنسية القيّمة في الجنوب. وطلبت من السيد ساركوزي القيام بالاتصالات اللازمة والضغوط على اسرائيل لتتوقف عن الخروق البحرية والجوية والبرية وشبكات التجسس في لبنان.
وتطرقنا ايضاً الى الواقع العربي والوضع في المنطقة، واكدت على موقف لبنان بأن نكون في منأى، او عزل لبنان عن كل التطورات". واضاف: "المهم لي والاساسي هو الوضع في لبنان واستقراره، وطلبت من الرئيس الفرنسي دعم هذا الموقف اللبناني وبدا متفهماً جداً ووعد بالدعم".
واشار ميقاتي الى ان الجلسة كانت "جيدة جداًن كما ان العلاقة ليست شخصية بل بين بلدين لبنان وفرنسا، وهذه علاقة تاريخية على كل الاصعدة وشعرت بحرص الرئيس على سيادة لبنان واستقلاله طبعاً ما من مخلص الا يؤكد هذه الثوابت".
واضاف: "اكدت له ان ما نقوم به في لبنان كل يوم هو ربيع عربي، والاساس قبل التحدث عن اي ربيع التحدث عن الحروب في المنطقة والسلام المطلوب والسعي الى حل القضية الفلسطينية على اساس مؤتمر القمة العربية الذي عقد في بيروت عام 2002 والسعي الى سلام حقيقي في المنطقة. السلام هو الاساس، وليس كل هذه الحركات التي تقام اليوم، مع احترامي لكل ما يقام اليوم، فإن لم يكن سلام لا استقرار في المنطقة".
وقال: "تطرقنا الى القرار 1701 وهو يتضمن مساعدة الجيش اللبناني كي يحل مكان القوة الدولية، وشكرت الرئيس الفرنسي على المساعدة الاخيرة التي قدمتها بلاده الى الجيش اللبناني وطلبت المزيد".
وذكرت مصادر فرنسية ان اللقاء بين ميقاتي وساركوزي كان جيدا، وأكدت باريس امامه أن الوضع غير مقبول في سوريا ومن الضروري أن تتحمل المجموعة الدولية مسؤوليتها، وأن فرنسا ترغب في متابعة جهودها بعد التطورات الاخيرة في مجلس الامن. وأشارت الى ان فرنسا ترفض فكرة تعرض كتيبتها في لبنان لاعتداءات جديدة وستستمر في دعم الجيش اللبناني ودعم كل ما يقوم به رئيس مجلس الوزراء من أجل استقلال لبنان وسيادته. وشكر ساركوزي ميقاتي على قراره تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، وتطرق الحديث الى تمديد بروتوكول التعاون بين الامم المتحدة ولبنان في شأن المحكمة الدولية. كما ان ميقاتي أعلن أمام الرئيس الفرنسي انه سيبحث مع نظيره فرنسوا فيون في ملف السجين اللبناني جورج ابرهيم عبدالله.
وما زالت باريس تعبر عن شكها في قدرة ميقاتي على الحكم بفاعلية بعدما دعا الى تعليق جلسات مجلس الوزراء بسبب الخلافات بين قوى الاكثرية. وهو يواجه وضعا حكوميا متفجرا بموازنة جميع أطراف حكومته سعيا وراء المصلحة الوطنية العليا التي تفرض على الجميع المحافظة على الاستقرار الداخلي وتسيير عمل المؤسسات، وفي مقدمها عمل السلطة التنفيذية في سياق التباينات القائمة بين أعضاء الاكثرية الحكومية. وفي السياق يبرز قلق لدى "حزب الله" من هذه الزيارة في هذه اللحظة التي تشهد تطورات اقليمية خطيرة. والقلق الفرنسي حيال الازمة الحكومية يعود الى ان الوضع القائم لا يساعد في استعادة الثقة بين الافرقاء ولا يفعّل عمل الحكومة. وقد فاتح ساركوزي ميقاتي بموقفه من "حزب الله" ونشاطاته غير الشرعية وقلبه موازين القوى، غير ان باريس تؤمن بأن وجود هذه الحكومة افضل من عدم وجود أي حكومة.
ويقارب الرئيس الفرنسي الوضع السوري من زاويتين. أولا من زاوية دعوة الحكومة اللبنانية الى عدم تحويل لبنان رئة اقتصادية لنظام سوريا الذي يتعرض لعقوبات عربية ودولية، وثانيا ارتدادات الوضع السوري على لبنان. وباريس متفهمة للواقع اللبناني السياسي والجغرافي، وابعاد لبنان عن سلبياته والنأي بنفسه لئلا يتعرض أو يستدرج الى انعكاسات على الوضع الداخلي الهش، وانقسامه بين طرفين مؤيد ومعارض لموقف السلطات السورية. وتتفهم الديبلوماسية الفرنسية موقف لبنان الرسمي والخصوصية اللبنانية، وكانت قد تفهمت موقفه من دمشق خلال العامين الماضيين عندما كان عضوا غير دائم في مجلس الأمن.
وتسعى الديبلوماسية الفرنسية من هذا المنظار الى المحافظة على استقرار البلاد وتلتقي والرئيس ميقاتي على ذلك الموقف. كذلك كررت باريس موقفها من الوضع الانساني للاجئين السوريين، والخروق السورية التي تحصل، والمطلوب من السلطات اللبنانية ضبطها.
وفي لقائه الصباحي الأول مع تجمع رجال الأعمال الفرنسيين أعلن ميقاتي أنه يتوجه اليهم كونه رجل أعمال يسعى الى تحقيق طموحات لبنان، ودعاهم الى تقاسم الاهتمامات المشتركة والمشاريع لخير الشعبين اللبناني والفرنسي، وقال: "ان فرنسا هي باب لبنان الى أوروبا، ونطمح الى أن يكون لبنان باب فرنسا الى الشرق الأوسط".
وخلال اللقاء المغلق عرض ميقاتي ثلاثة عوامل تساعد في توفير الهدوء في لبنان: أولاً، هدوء على الحدود اللبنانية الاسرائيلية. ثانياً، هدوء نسبي على الحدود اللبنانية الاسرائيلية. ثالثاً، ركود التجاذبات السنية الشيعية حول المحكمة الخاصة بلبنان بعدما دفع لبنان حصته من تمويل المحكمة. وفي موضوع الكهرباء أوضح ان استدراج عروض حصل من اجل تنفيذ مشروع لانتاج 700 ميغاوات.
أما حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فركز على مقررات باريس 3 وذكّر بأن التمويل المتعلق بالقطاع العام والمصارف تم تنفيذه، وما زال تمويل البنى التحتية مجمداً في انتظار التشريع داخل مجلس النواب.
وعند الثالثة بعد الظهر زار ميقاتي رئيس مجلس الشيوخ جان ميشال بيل، وبحث مع نظيره الفرنسي فيّون المسائل الاقتصادية التي تهم البلدين، ولبّى دعوة عشاء على شرفه أقامها وزير الخارجية ألان جوبيه في الكي دورسيه.
وفي السياق حمل الرئيس ميقاتي الى العاصمة الفرنسية أربعة تطمينات: التزام حكومته أمن القوة الدولية وتطبيق القرارات الدولية، والسلوك اللبناني تجاه سوريا، وأداء حكومته، والتزام لبنان المحكمة الخاصة بلبنان. ودعا السلطات الفرنسية الى دعم موقف لبنان سياسياً واقتصادياً، والاضطلاع بدور مع حلفائها لحمايته من التقلبات التي تحصل في المنطقة.