
كتب دانييل الخياط في صحيفة "النهار": يرفض اهالي بلدة رياق- حوش حالا وجوارها "استخدام مطار رياق لأغراض مدنية"، شعاراً فقط ألفوه "منذ ان تشكل وعيّ"، يقول الثلاثيني منهم كما السبعيني. هم توّاقون لمشروع ينهي 35 سنة من الركود الاقتصادي في بلداتهم. ولا احد اكثر من اهالي بلدة سكة الحديد، ومطار رياق ومصلحة الزراعة، يعرف كيف ان المشاريع الكبرى يمكن ان تعمّر بلدات، انما تعوزهم الثقة بالسلطة ليصدقوا ان فتح ملف مطاري رياق والقليعات من قبل مجلس الوزراء، ليس مجرد "فولكلور" يتجدد مع كل حكومة ومجلس نيابي. واذا كان وزير الاشغال العامة غازي العريضي نقل عن قيادة الجيش عدم موافقتها على تشغيل مطار رياق لأسباب امنية، في تصاريح اعلامية ادلى بها عقب زيارته مطار القليعات، فإن اهالي المنطقة مقتنعون اصلاً بأن "لا مطار رياق ولا مطار قليعات"، فالموضوع طرح، وفقهم، "لأغراض أمنية – سياسية وليست اقتصادية- تنموية".
فما ان سمعت بلدية رياق- حوش حالا بنبأ إحياء الحكومة ملف مطار رياق، حتى بادرت الى التحرك في اتجاه السياسيين لدعم المشروع، الذي يصفه رئيس البلدية جان معكرون بأنه "انمائي يحيي المنطقة وينعشها، ويخلق فرص عمل لشبان البلدة الذين ينزحون عنها للعمل في خارجها، ويسهم في تأهيل البنى التحتية في رياق". والمشروع يلقى تجاوباً سياسياً من كل الاطراف، ومن بينهم "حزب الله"، كما ينقل عضو مجلس البلدية الحاج قاسم عقيل عن مسؤول في الحزب.
النائب عاصم عراجي يرى انه اذا تحول مطار رياق "مطاراً مدنياً للشحن، فإن ذلك يخلق دورة اقتصادية في منطقة البقاع". لكنه يلفت، في المقابل، الى ضرورة "توافر ظروف امنية مؤاتية" حتى "لا يصبح مسيطراً عليه من حزب معين، بسبب المحيط الديموغرافي" للمنطقة حيث يوجد المطار. وكان عراجي سبق ان تقدم، مع "الكتلة الشعبية" النيابية، بمشروع قانون الى المجلس النيابي العام 2006، لتأهيل مطار رياق وتطويره، وجعله صالحاً للاستعمال التجاري والمدني، وانشاء منطقة حرة فيه". فأين اصبح مشروع القانون؟ سيبحث عنه عراجي "اما في الامانة العامة للمجلس أو في لجنة الاشغال النيابية، التي كانت ناقشته في حينه"، لافتاً الى ان موقف قيادة الجيش كان عدم قدرتها على الاستغناء عن المطار العسكري.
الأهالي مع التنفيذ
بالنسبة الى أهالي رياق – حوش حالا فإن موقع بلدتهم يؤهلها لتكون مرفأ جوياً، "في وسط البقاع، بموقعه الاستراتيجي ما بين كل محافظات لبنان والعاصمة، وعند بوابته الى البلدان العربية"، وبالتالي "لأهل الخليج مصلحة في تشغيل مطار رياق اكثر من مطار القليعات". وفي ذاكرة أهالي المنطقة ان طائرات شركة طيران الشرق الاوسط حطت في مطار رياق لأكثر من شهر في النصف الثاني من السبعينات، عندما تعطلت الملاحة في مطار بيروت.
قد يتحفظون على مسار المشروع حكومياً، لكنهم يحلمون في الوقت عينه بأن يخرج هكذا مشروع بلدتهم من "عصر التنك" وتستعيد "عصرها الذهبي". احدى السيدات المتحمسات ذهبت الى حدّ المطالبة بالتخييم امام القصر الجمهوري لانتزاع قرار تنفيذه.
يقول المخرج ايلي بطرس معلوف، ابن رياق، الذي أعدّ وثائقياً عن سكك الحديد في لبنان، وأسس جمعية "Train Train" التي تهدف الى انشاء متحف في محطة رياق، "اذا كانت المدن والقرى تقوم الى جانب الانهر، فان بلدة رياق – حوش حالا قامت على ضفتي سكة الحديد". يصادق على كلامه، وصف يوسف المر، الذي يقوم بتدوين تاريخ بلدته، وينشط مع لجنة من ابنائها لاعادة تسيير القطار، عن الازدهار الذي شهدته رياق-حوش حالا، بفضل السكة الحديد في شكل رئيس، الى جانب المطار ومصلحة الزراعة، بعدما كانت بلدة زراعية، وتمتعها بثقافة مدينية ارساها الفرنسيون، "فسبقت كل البلدات ونافست مدينة زحلة". ومثلهما يروي الأهالي عن ايام كانت بلدتهم ملتقى للامم، ونقطة استقطاب لأهالي البقاع والعاملين في مصالحها. أجمل مشهد انطبع في ذاكرة المر، هو ساعة خروج مئات الموظفين من اشغالهم، "دفق من الدراجات الهوائية" على الطريق الرئيس للبلدة، كان يعاينه ايضاً غابي الشامي من خلف منضدة متجره لبيع الساعات واصلاحها، حيث كان يجهد في العمل نتيجة كثافة الطلب، مع والده وموظف آخر، فيما يجلس اليوم وحيداً في متجره بانتظار الزبائن.
عصر ذهبي
رياق، التي بلغ عدد دور السينما فيها 5، تعرفت الى السينما في عشرينات القرن الماضي، اذ كان يعرض فيلم في مطار رياق، تليه مباراة في المصارعة بين الجنود الفرنسيين والمدنيين. وفي عهد الفرنسيين ايضاً أنشىء نادٍ لرياضة كرة القدم تحت اسم Association Sportif de la Bekaa، الذي لا يزال قائماً تحت اسم "نادي الشباب"، وكان في العصر الذهبي لرياق ينظم كل سبت حفلة راقصة يحضرها الرواد من زحلة. وممارسة الرياضة غذتها ادارة "الآباء البيض" لإكليريكية القديسة حنة بأساليب تربيتها الغربية المنفتحة، فاستقطبت التلامذة من لبنان وسوريا والاردن. رياق التي شهدت ليالي حمراء في الكاباريهات، التي رافقت وجود العسكر الفرنسي، اصبحت اليوم "مهجعاً"، وفق وصف المعالج الفيزيائي كمال عقيص، "يعمل من بقي من سكانها خارجها ويعودون اليها فقط للمبيت". فيما يتذكر يوسف المر انه استضاف صديقاً له من بيروت، وبينما كان عبور القطار يوقظ صديقه كان هو ينعم بنوم هادىء. ويضيف بعدما سكت القطار بات القلق يؤرق اهالي رياق. تعطل العمل في السكة الحديد مع اندلاع الحرب "فانطفأت الروح التي كانت تحيي رياق، وباتت كالهياكل الصدئة للباصات والقطارات المهجورة" التي تطالعك عند مدخل البلدة.
متى تفعيل السكة الحديد؟
تفعيل المطار امر حسن، يقول اهالي رياق، ويستدركون لكن الأحسن منه اعادة تسيير القطار. يشاطرهم هذا الرأي اصحاب المصالح الاقتصادية في البقاع الذين يستهجنون سطحية طرح موضوع المطار. فادي خوري، مزارع ومصدر، نائب رئيس بلدية تربل ومن اصحاب الاملاك المحاذية لمطار رياق، يستحسن فكرة تشغيل المطار في المبدأ، لكن رجل الاعمال يحتاج للاطلاع على خطة ليقتنع بجدواها الاقتصادية.
يقول ميشال ضاهر، عضو مجلس ادارة جمعية الصناعيين اللبنانيين ورئيس هيئة المدن الصناعية في الجمعية، وأحد الملاكين في الفرزل المحاذية لمطار رياق عقارياً، "اسهل العناوين للحديث عن التنمية في البقاع هو مطار رياق". ويضيف "قبل توسيع المطار وتحويله مطاراً للشحن، فلنوجد الاسواق اولاً لمنتجاتنا". "نتمنى ان يكون عندنا مطار في رياق، لكن، تشغيل السكة الحديد اولوية، لأن مفاعيلها اكبر من المطار، بخاصة مع خلق منطقة ترانزيت في البقاع، تشحن اليها البضائع بالقطار مباشرة من مطار بيروت والمرفأ بكلفة اقل. فضلاً عن ان البقاعيين الذين يدرسون او يعملون في بيروت لا يعودون مضطرين الى المبيت فيها، الامر الذي يحدّ من الكثافة السكانية في العاصمة". بدوره يرى معلوف "ان الانماء المستدام يرتبط بخطة شاملة. فالمطار في حاجة الى قطار، الذي يحتاج بدوره الى نقل مشترك ومواقف للسيارات، كل مرفأ يصلك بالآخر".
عندما تثير موضوع مطار رياق تستفيق هواجس كامنة لدى اهالي الفرزل وتربل ورياق، ويعودون بالذكرى الى العام 1997 عندما فوجئوا بوضع شارات على آلاف الدونمات من الاراضي، وذلك بهدف اقامة منطقة حرة. يومذاك عدّ المشروع تهجيراً للمسيحيين، يسلبهم اراضيهم، ليفيد منه متنفذون من المنطقة، فلجأ الملاكون الى رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي ومجلس الشورى والغي المرسوم. وهم يلفتون الى 700 الف متر من املاك مصلحة البحوث العلمية الزراعية في تل عمارة المحاذية للمطار تصلح لإقامة منطقة حرة، او مدينة صناعية منظمة ببنى تحتية وخدمات تلائم وظيفتها، والاقتراح الأخير لميشال ضاهر..وكانت وزارة الصناعة أبلغت اتحاد بلديات شرقي زحلة في 17 كانون الثاني الفائت، عن سعيها لإقامة مناطق صناعية نموذجية، في ثلاث مناطق مركزية في لبنان، رياق واحدة منها، طالبة من الاتحاد اقتراح المكان المناسب لهذه المنطقة، مجهزة ببنى تحتية يسهل الوصول اليها من محطة السكة الحديد في رياق".
يلفت كمال عقيص الى ان "طريق الفرزل- رياق هي الجزء الوحيد من الطريق الدولية بين شتورا والهرمل الذي لم يتم توسيعه وتأهيله"، لعدم توافر التمويل، علماً ان دراسته جاهزة منذ العام 1996، فكيف لأهالي رياق ان يصدقوا ان الدولة ستنفذ في بلدتهم مشاريع بملايين الدولارات؟