
كتبت سابين عويس في صحيفة "النهار": لا يمكن في الذكرى السابعة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري والتي تتزامن مع خروج فريق الرابع عشر من آذار من السلطة على أثر الانقلاب الذي أطاح حكومة الرئيس سعد الحريري، إلاّ إستعادة الذكرى التي حكمت الحياة السياسية في لبنان منذ تاريخ الرابع عشر من شباط 2005، مع رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة إستشرافاً لما سيكون عليه وضع المعارضة وموقفها في ظل المتغيرات على مستوى المنطقة وفي ظل ما تعرض له فريقها من استهداف وإدانة.
وفيما يقلل السنيورة كلامه عن المرحلة المقبلة أو تقويمه لمواقع الفشل للتجربة من خارج الحكم ينظر الى المبادرة السياسية المطلوبة من فريقه على أنها ترتكز على سياسة اليد الممدودة والانفتاح على الآخر، مبرزاً الوقائع التي تدحض الاتهامات التي استهدفته شخصياً، كما استهدفت الفريق السياسي الذي يمثله. وفي حديثه الى "النهار" لا كلام عن المستقبل، وهو متروك للاحتفال المركزي في البيال، ولا حتى اشارات الى الوثيقة السياسية المنتظرة، بل وقوف عند رمزية الذكرى. ويقول "ثمة الكثير تغير، والاغتيال وما تبعه أبرز أن المؤامرة على لبنان كانت كبيرة جداً. وهدفت الى النيل من ركن أساسي يختصر جوهر وجود لبنان، ويتمثل في صيغة العيش الواحد، لكي يسهل ابتلاعه وتغيير نظامه واستنساخ أنظمة أخرى وفرضها على اللبنانيين عبر ضرب مبدأ التداول السلمي وتغيير الصيغة القائمة على التوافق الاختياري بين اللبنانيين ومحاولة نقل لبنان إلى نظام الغلبة والتوافق الإجباري المدعوم بقوة الوصاية والسلاح. فاللبنانيون اتفقوا عام 1943 على صيغة عيش ونظام ديموقراطي، وكان التوافق اختيارياً بينهم. فتخلى المسلمون عن فكرة الوحدة العربية في مقابل تخلي المسيحيين عن فكرة الاندماج بالغرب، وهي التجربة نفسها التي كررها اللبنانيون وطوروها في الطائف، لكن التجربة الراهنة أثبتت أن تحالف الأحقاد والممارسات الكيدية، لا يقدم صيغة منتجة فعالة قابلة للتطوير ولا يصنع حكومة مقنعة توحي الثقة وقادرة على الإنتاج وإدارة الدولة، كما هو حاصل الآن.
وما نعيشه اليوم نقيض الميثاق القائم على التوافق بالاختيار، وهي حكومة انقلاب تفتقر إلى القلب النابض بالحياة والرؤية الجامعة. وهي لذلك في حاجة الى تدخل المصلحين وتهديد المسيطرين لكي يعود الجميع إلى الانضباط بحسب ما يمليه "الأخ الأكبر" والحزب الواحد".
ولكن ماذا عن تجربة الخروج من السلطة؟ لا يرى السنيورة الأمر مستغرباً، "فهي ليست المرة الأولى. المهم المحافظة على جوهر النظام الديموقراطي والثوابت، والمهم أننا قوى تحمل مشروعاً ورؤية وتوجهاً. ولذا فإن الخروج من السلطة مفيد إذا عرفنا الافادة منه والتعلم من دروسه. وأولى الايجابيات أنه يعطي الشعب فرصة للتغيير والتجربة بما يسهم في شحذ إيمانه وتصميمه. لقد تبين للشعب أنّ الفريق الحاكم أثبت فشله في إدارة البلاد والشأن العام وفق الوقائع والمؤشرات. فإذا نظرنا إلى الفترة التي كنا فيها في الحكم وفي عز الأزمة اثر اغتيال الرئيس الشهيد، نجحنا في تحقيق نمو مستدام وغير مسبوق بلغ حدود 8.5 في المئة. والآن رغم أنها حكومة اللون الواحد ووسط سيطرة أمنية تفرضها غلبة السلاح ومنطق الحقد والكيد، نرى أن الفشل الاقتصادي والمالي هو العلامة الفارقة لها. وكل ما كان يساق ضد حكومات المرحلة الماضية من اتهامات كان باطلاً… وها هم يرتكبون اكبر المعاصي ولا يرف لهم جفن. قالوا ان حكومات الأعوام 2006- 2009 صرفت 11 مليار ليرة ولا يعرف أين ذهبت، وأن هناك مخالفات في إنفاقها. لكن السؤال ما الذي جرى حين تسلموا هم زمام الأمور؟ اكتشف الشعب اللبناني انه خلال 2010- 2011 بلغ مجموع الإنفاق عشرة مليارات دولار والحكومة أنفقت في 2011 خمسة مليارات دولار. أليس هذا قمة الفشل والدجل على المواطنين والتداعي في المنطق والمقاربة؟ هذه الحكومة حتى الآن لم تستطع أن تقدم موازنة، بينما تبين الوقائع كيف أعدنا الانتظام الى قوانين الموازنة التي قدمت ضمن المهل الدستورية، وحوّلنا مشاريع الموازنات إلى المجلس الذي رفض تسلم معظمها ولم يتم إقرارها، وبسبب ذلك حصلت التجاوزات على القاعدة الإثني عشرية.
من ايجابيات الخروج من السلطة إذاً أنها تبين بالملموس أن القيادة من المقعد الخلفي تختلف كلياً عنها من المقعد الأمامي. فالكثيرون يظهرون أنهم يتقنون القيادة من المقعد الخلفي، وقلة من يحسنونها من المقعد الأمامي. ويظهر جلياً بناء على ذلك أن الإخوان في الثامن من آذار، حين وصلوا، تربعوا على المقعد الأمامي وتبين أن كل مقولاتهم سقطت. وكل الاتهامات التي ساقوها لفريقنا كانت باطلة. وكل هذا الضجيج لم يستطع أن ينتج رغيف خبز إضافياً في الكهرباء ولا في الاتصالات ولا في تحقيق النمو المستدام ولا في تحقيق فائض في ميزان المدفوعات ولا في تعزيز الاستقرار المالي ولا في خفض العجز في الموازنة. وتجربتهم لم تحصد سوى الفشل تلو الفشل، ولم ولن ينفع ضجيج الفضائح المفبركة والافتراءات المزعومة والصوت العالي. فاللبنانيون يريدون النتائج. وكان آخر ما تكشف من فضائح وارتكابات في وزارتي الطاقة والاتصالات وفضيحة مرسومي تصحيح الأجور والنقل، فضيحة المازوت الأحمر حيث التنفيعات في الجيوب، بينما الناس في منازلها تعاني الصقيع. التجربة مع حكومة حزب الله تقول إنها نجحت في تعميم التعاسة والبؤس والارتباك والتراجع الاقتصادي والفشل السياسي وليس أي شيء أخر".
ولكن في المقابل، من مطالبتكم إسقاط حكومة "حزب الله" ونزع السلاح إلى إسقاط نظام الأسد ودعم المعارضة السورية. أنتم ايضا لم تحققوا شيئاً؟ يجيب: "لم نقل يوماً بإسقاط نظام الأسد ولم نعتبر الأمر هدفنا. هذه مسألة يقررها الشعب السوري وليس المعارضة اللبنانية. عبرنا عن رأينا في دعم حركات الربيع العربي وعليه، دعمنا الانتفاضة السورية عبر نقل الوقائع الصحيحة والإفساح في التعبير. وساعدنا في الجانب الإنساني في استقبال المهجرين من سوريا، لكن لا يطلب منا احد أن ندعم بغير ذلك. أما عن سلاح "حزب الله"، فهو بات دون شرعية وطنية بعدما تغيرت وجهته التي ارتضيناها للتصدي لعدوان إسرائيل ومحاربتها. أما وقد أصبح موجهاً نحو الداخل لإقامة توازنات جديدة في السلطة، فالأمر يصبح مختلفاً. أما بالنسبة الى اسقاط الحكومة فسقوطها المعنوي المريع هو المشهد الذي يراه اللبنانيون ماثلاً أمامهم من خلال إخفاقات ترتكبها، وسقوطها سيحين عندما تنضج الأمور، وسيتم حسبما تقتضيه مصلحة البلاد وفي الوقت المناسب. ولن نتراجع عن موقفنا في هذا الخصوص، وهذا جزء من العمل الديموقراطي".
كيف ستتوجه المعارضة إلى جمهورها في 14 شباط: خطاب استنهاض أو مراجعة؟ وماذا عن الثوابت؟ وهل من مبادرة سياسية تطلق من خلال الوثيقة التي يجري اعدادها؟ يرفض السنيورة التحدث عن الوثيقة باعتبارها خريطة الطريق للمرحلة المقبلة، لكنه يقول إن العدالة آتية والسلاح من دون شرعية وطنية والحكومة آيلة إلى السقوط. هناك حقيقة أثبتتها الوقائع هي أنّ الأنظمة القائمة على الحرية والعدالة هي القادرة على مقارعة إسرائيل واسترجاع الحقوق، وليس تلك التي ملأت البلاد جوراً ولم تستعد على مدى عقود متراً واحداً من الأرض الفلسطينية المحتلة".
ولكن هل قوى 14 آذار منسجمة حول عناوين المرحلة في ظل التناقض بين مكوناتها من ملف سوريا مثلا، يقول: "إذا كان هناك تباين فانه ضمن التمسك بمبدأ الوحدة، وهو تباين خلاق ويعبر عن حيوية وحرية. وتحالف 14 آذار لا يعيش في ظل وحدة توتاليتارية أو شمولية، بل هو تحالف قوى ديموقراطية تحترم مواقف بعضها ووجهات النظر الأخرى. وهي متفقة حول نظرتها الى لبنان، والأهم أن الاتفاق في ما بينها حول لبنان وصيغته ونظامه لن يتبدل إذا تبدلت الموازين في سوريا. فموقفها من سوريا في ظل نظام البعث سيبقى هو نفسه في ظل أي نظام آخر، نحن لن نغير نظرتنا الى علاقة لبنان مع الشقيقة سوريا مهما تألبت الظروف، وهذه هي إحدى المسائل الأساسية التي تجمع وتربط بين مكونات قوى الرابع عشر من آذار".
وعن إعادة بناء الجسور مع القوى السياسية الأخرى، يجيب: "نحن لا نرفع الإصبع بل نمد اليد، وعندما نقول ذلك لا يعني أننا نتراجع عن الثوابت، بل نبدي الاستعداد للحوار على أساس العودة إلى الدولة بشروطها، ولا بد من صيغة للتلاقي والحوار والتأقلم والتفاهم. أرجو ألا يفهم كلامي أنه من باب المناورة. فانا في أمور العيش الواحد شديد الإيمان بلبنان وطناً نهائياً لكل مكوناته. على هذه الأسس نمد اليد، مواطنين متساوين من دون أن يعمد بعضنا إلى شهر السلاح في وجه الآخر. وعلى ذلك لن تنفع كل المساحيق في العالم في تغيير وجه حكومة حزب الله، وكلام السيد نصر الله الأخير أن لا حكومة جديدة، اثبت بما لا يقبل الشك أن زمام الحكومة الحالية هو في يده.
لهذه الأسباب أقول إنّ اللبنانيين لن يقبلوا البقاء تحت سيطرة الحزب الواحد. حكومة بعض من فيها مغلوب على أمره والبعض الآخر يؤمن بالغلبة وما تبقى يقر بمبدأ الغلبة لتحقيق مكاسب أخرى على حساب الوطن واستقلاله وسيادته واستقراره، ليست مؤهلة لحكم اللبنانيين، بل هي فريق متسلط بقوة السلاح بهدف تغيير الأسس التي قام عليها لبنان والصيغة اللبنانية".