#dfp #adsense

عوامل تستبعد أي مغامرة عسكرية سورية في لبنان…الاطمئنان الى القوى الفاعلة لا يلغي المخاوف من افتعالات

حجم الخط

قبل أسبوعين من بروز مشكلة وادي خالد على خلفية المخاوف التي أثارها نواب من عكار عن تحضير سوري محتمل لاجتياح قرى شمالية بذريعة ملاحقة عناصر من "الجيش السوري الحر" وتحرك الجيش اللبناني في اتجاه ضبط الحدود، سئل سفير دولة كبرى مؤثرة في لبنان عما إذا كان هذا الاحتمال وارداً بالنسبة الى ادارته وما يمكن ان يكون الرد الخارجي على اجتياح سوري محتمل للاراضي اللبنانية. وكان الجواب في اطار استبعاد ضمني لهذا الاحتمال، انه قبل الحديث عن أي رد فعل خارجي ينبغي انتظار رد فعل الحكومة اللبنانية في الدرجة الاولى. وستكون الحكومة أمام إحراج كبير إذا انتهكت سوريا الاراضي اللبنانية، أكثر بكثير من الاحراج الذي واجهته السلطات اللبنانية حكماً وحكومة وجيشاً حتى الآن لدى اختراق الجيش السوري مناطق في البقاع أو الشمال وملاحقته معارضين سوريين الى الاراضي اللبنانية او حتى استهدافه الصيادين اللبنانيين. وقد اضطر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى الخروج عن تحفظه في هذا الاطار باعتباره مسؤولاً بموجب الدستور عن حماية لبنان والحفاظ على سيادته ازاء اي انتهاك يطول هذه السيادة من دولة عدوة أو صديقة. ولا تعتقد مصادر معنية ان النظام قد يقدم على خطوة مماثلة باعتبار ان هذه الخطوة ستكون بمثابة خدمة جلى للدول الكبرى من اجل تصعيد جدي وربما عسكري ضد النظام متى تخطى حدود بلاده الى الدول المجاورة وانتهك سيادة هذه الدول بما فيها لبنان، وأصبح يهدد الاستقرار الاقليمي، وليس فقط استقرار بلاده. ومعلوم أن ذلك سيجعله يخسر الحكومة اللبنانية التي سترزح تحت ضغوط كبيرة، كما يحرج حلفاءه الذين صمتوا حتى الآن على كل التجاوزات في اتجاه الاراضي اللبنانية ويفقدهم الكثير من المبررات التي يرفعونها ظاهرياً، ومن بينها ما يتعلق بأن مصالحة النظام السوري حصلت بعدما اصبحت سوريا في سوريا ولم تعد في لبنان، في حين أن انتهاك سيادة لبنان تحت اي ذريعة سينهك هؤلاء الحلفاء. ولا تعتقد هذه المصادر على رغم التهور الذي طبع اداء النظام السوري منذ انطلاق الثورة السورية انه سيقدم على مثل هذه الخطوة ما لم يكن في نيته دفع الامور الى مستوى آخر على الصعيد الاقليمي والدولي، على طريقة تكبير الاخطار وتضخيمها من اجل توفير مخارج تبدو مستحيلة حتى الآن. ومع اختلاف ظروف الانتفاضة في سوريا عن ظروف دول عربية أخرى في اوقات مختلفة، فإن اجتياح صدام حسين للكويت لم يأتِ له بما يطمح اليه، بل على العكس. لذلك فإن انتهاك سيادة لبنان، ولو من باب ملاحقة مهربين أو منشقين، ربما ادى الى اكثر مما ادت اليه الانتهاكات السورية للسيادة اللبنانية حتى الآن.

هذا الجانب من تداعيات الازمة السورية لا يبدو مقلقاً لمسؤولين كبار، لهذه الاعتبارات في الدرجة الاولى ولو انه لا يمكن استبعاد المفاجآت من حيث المبدأ، اذ ان الحوادث التي انطلقت في طرابلس في اليومين الأخيرين تدل على ان كل الاحتمالات تبقى واردة بقوة ولا يجوز إسقاط أي منها من الاعتبار، وخصوصاً في منطقة مشتعلة. فهناك اطمئنان رسمي مبدئي الى ان الاستقرار في لبنان قائم على رغم هشاشة الوضع اللبناني في احواله الطبيعية، فكيف في ظل انفجار ازمة في دولة مجاورة ومؤثرة في لبنان كتلك التي تشهدها سوريا منذ نحو سنة؟ وعوامل الاطمئنان مبنية على ان الافرقاء الاساسيين الفاعلين في البلد والممثلين للطوائف الاساسية ليسوا في وارد الانجرار الى ما يمكن ان يحدث ازمة في البلد أو يستدرج الصراع في سوريا الى لبنان.

وهذا يسري في الدرجة الاولى على "حزب الله" كما على "تيار المستقبل". ولكن بناء على الاعتقاد أن النظام السوري يمكن ان يحرك الارض في لبنان خدمة لمصالحه، فإن الحزب أبعد ما يكون عن التورط في ذلك بالاستناد الى معطيات كثيرة وفقاً لما تقول المصادر المعنية، ليس أقلها أن النفوذ والامكانات التي يتمتع بها الحزب في لبنان كان يمكنه توظيفها لدعم النظام اكثر من مجرد الكلام الداعم الذي عبّر عنه الامين العام للحزب حتى الآن. لكنه لم يفعل في الواقع وكان حذراً في التعاطي على رغم الدعم السياسي والاعلامي المعلن، في حين أن الدعم اللوجيستي التقني غير مؤكد، وتنفيه مصادر لبنانية معنية على قاعدة ان لا الحزب يدعم النظام بالسلاح ولا النظام يهرّب اسلحته الى الحزب على ذمة هذه المصادر، بل ثمة معلومات تتحدث عن اعتماد الحزب الموقف الذي اعتمده النظام السوري ابان حرب تموز 2006. اذ ان الاخير، وعلى عكس ما سرى من دعم سوري للحزب في مواجهته اسرائيل، كان مستعدا للمقايضة اقليمياً ودولياً وفقاً لنتيجة المعركة آنئذ، وهو قفز بعد هزيمة اسرائيل ليقطف الانتصار ويوظفه لمصلحته. وهذا لا يعني ان الاطمئنان النسبي الى استقرار الوضع ساد منذ بداية الازمة السورية، بل على العكس، باعتبار ان المخاوف كانت كبيرة في الاشهر الاولى للأزمة من ان تؤدي اطاحة النظام سريعاً الى محاولة داخلية من حلفائه في لبنان لاجهاض الزخم الذي سيوفره ذلك لخصومهم من خلال محاولة اجتياح العاصمة او وضع اليد على مفاصل السلطة لكن هذه المخاوف تراجعت لاحقاً ومع تواصل الازمة السورية لأشهر عدة من دون سقوط النظام لتغلب حسابات أخرى، من دون ان يعني ذلك أن هذا النظام قابل للاستمرار والعيش كما كان ينوي ويخطط.

لكن في المقابل تطول المخاوف أحزاباً او تجمعات في لبنان اقل قوة وتنظيماً، ومرتبطة بالنظام السوري، أكان المقصود بذلك بعض التنظيمات الفلسطينية أم اللبنانية، وخصوصاً أن النظام أتقن الامساك باوراق مماثلة طيلة وجوده في لبنان، ولا يزال الكثير من هذه التنظيمات مرتبطاً به ويمكن ان يتحرك لغايات مختلفة.

وهذا الامر غير مستبعد لجهة احتمالات ان تهز اي حوادث يشعلها هؤلاء الاستقرار، على رغم الاطمئنان الى قرار القوى المؤثرة والفاعلة لجهة ضبط الامور ومنع انفلاتها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل