أصبح عيد فالنتاين في نظر لبنانيين كثر مرادفاً لعملية الاغتيال المروّعة التي قضى فيها رفيق الحريري مع 21 آخرين. في هذه المناسبة، يجدر أن نتذكّر كيف نزل مئات الآلاف من اللبنانيين بعفوية إلى الشارع تعبيراً عن الاحتجاج. وإلى جانب المطالبة بمعرفة "الحقيقة"، طالبوا بصوت واحد أن تغادر سوريا لبنان بعدما دخلته في مهمة لحفظ السلام تحوّلت احتلالاً دام ثلاثين عاماً.
وقد استحقّت الحركة التي استحوذت على انتباه الإعلام والرأي العام في العالم الاسم الذي أُطلِق عليها "ربيع بيروت"! لكن "الربيع" لم يدم طويلاً، ويا للأسف، ولم يستمرّ كقوّة موحِّدة لأسباب عدّة، منها الجروح والندوب المفتوحة التي خلّفتها فتنة مذهبية طويلة ومؤلمة لم تتعافَ منها البلاد كما ينبغي.
أنكرت سوريا أي تورّط لها في اغتيال الحريري أو في أي من جرائم القتل الكثيرة ذات الدوافع السياسية التي ارتُكِبَت في هذا البلد المتوسّطي الصغير. ولكن يصعب أن نتخيّل أنه كان يمكن تنفيذ أي تحرّك أو عمل تجاري أو مؤامرة في ذلك الوقت من دون علم القوات السورية أو مباركتها، فقد كانت تسيطر على مختلف جوانب الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان.
في غضون شهر من عملية الاغتيال، نفّذ الجنود السوريون انسحاباً كاملاً ومخزياً من لبنان، مما أثار دهشة معظم اللبنانيين وروع المجتمع الدولي، وتسبّب بخيبة أمل لأنصار سوريا الذين يكنّون ولاء شديداً لها وكانوا يفيدون من هيمنتها على لبنان.
الاغتيال هو أقصى درجات الحقد والكراهية، لأنه يفترض الاعتناء بأدقّ التفاصيل في حبك المؤامرة والتخطيط لها وتنفيذها. الهدف هو التخلّص من أحدهم، يا له من تفكير حاقد! أسياد هذا التفكير وعبيده مرضى حتى العظم، ولا يأبهون لمنطق أو قانون، بل إنهم مصمّمون على فرض التغيير من طريق إزاحة الأشخاص الذين يعتبرون أنهم يشكّلون عوائق أمام مخطّطاتهم عوض العمل معهم أو الالتفاف عليهم.
التاريخ الحديث للشرق الأوسط حافل بمثل هذه الأعمال، ويبدو أن لبنان يعاني الاختلال الوظيفي الأكبر، فهو يتحمّل الوطأة الأشد من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال، وليس ثمة أي مؤشّر لكونها لن تتجدّد قريباً.
يبدو أن الاغتيالات هي الأسلوب المفضّل في المفاوضات في الشرق الأوسط. لا أدّعي أنني أعرف من يُسكت من ولماذا؛ ثمة نظريات كثيرة إلى درجة أن التفكير يتشوّش ويفقد بوصلته، لكن النمط واضح. ويختار القتلة عادةً تاريخاً مناسباً ومحمّلاً بالرمزية مثل يوم عيد أو يوم عطلة حيث يكون الأمن متراخياً، أو قد يقرّرون أن يفسدوا علينا عيداً ممتعاً مثل عيد الحب ربما بسبب لوعة قلب قديمة تعرّضوا لها. القتلة أشخاص مرضى نفسياً ويستطيعون أن يلفّقوا "سبباً".
وراء كل عمل شرّير بحجم اغتيال الحريري مرتكب ومموِّل ومعطيات ظاهرية تشير إلى جهة يوجّه إليها المموّل عادة رسالة معيّنة، كما أنه ينطوي على الكثير من الالتواءات والتعرّجات التي تشوّش الأدلة أو حتى تحجبها.
فيما تستمر رسائل الكره في يوم الحب في التفجّر بين سوريا وإيران و"حزب الله" ولبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، نقف شهوداً على كل ما يجري، ونحن نشعر بالقرف ونرفض كل هذه الأساليب التي تحوّل البشر من مخلوقات قادرة على الحب إلى وحوش حاقدة مكانها الصحيح هو في البراري.