#adsense

مرحلة جديدة..

حجم الخط

مُحقّ تماماً، وبالمئة وأخواتها، مَن اعتبر انّ "منح" السلطة السورية المهلة تلو المهلة، كان عبثاً أفاد تلك السلطة وأرهق شعب سوريا..
لكن ما يصحّ بالعموميّات، يمرض بالتفاصيل. حيث إنّ الموقف العربي العام، ومثله الموقف التركي خصوصاً والأوروبي عموماً، لم يخفِ منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة السورية وقوفه السياسي والإعلامي والمعنوي والأدبي والإنساني والثقافي مع تلك الثورة: هلّل لأهلها، وترحَّم على شهدائها، وواسى جرحاها، ورفع شأنها باعتبارها أُمّ الثورات العربية وأبا الربيع العربي.. ثورة لم يسبقها شيء مماثل، وربما لن يليها شيء مماثل حيث لم تمرّ في الشهور الماسيّات المنصرمات، لا في مصر ولا في تونس ولا في اليمن، ولا حتى في ليبيا، حالة مواجهة للحراك الهادر والثائر السلمي والمدني، مثلما حصل ويحصل في سوريا الأسد!

يصحّ بعد ذلك، العودة إلى المضمون الأوّل للكتاب التفسيري الخاص بذلك، أي إلى تلك اللافتة اللغوية القائلة إنّ سوريا غير باقي الدول العربية، بل غير باقي دول الأرض.. وهي كذلك حقاً، وبالفعل الملموس. حيث يندر في عالم اليوم وجود "شيء" مماثل لما تفعله آلة القتل السلطوية بالسوريين. وحيث يندر في أي زاوية فوق الكرة الأرضية وجود "شيء" يشبه البيانات الرسمية الصادرة في دمشق عن "تحرير" الزبداني!! وعن العمل لاستكمال واستعادة "السيطرة" على حمص! وحيث يندر بعد ذلك وقبله، أن يُقرن القول بالفعل، من أنّ القبض على السلطة يستأهل كل شيء بما فيه تدمير الدولة والكيان الوطني وإشعال النار في كل موقد طائفي، مذهبي، عرقي جاهز!

لذلك قد يصحّ القول إنّ "إعطاء" الفرص لتلك السلطة المتورّمة بالإجرام كان خطأ عظيماً، لكن الأصح القول، إنّ شيئاً آخر لم يكن ممكناً ولا متوفراً لتقديمه فوق سقف ما قُدّم: لا "المناخ" العربي الرسمي والشعبي مؤهّل للانخراط الميداني في دعم الثورة، ولا "المناخ" الأوروبي الأميركي بدا مؤهلاً لوضع ضوابط حقيقية فعلية أمام سلطة الأسد، أو السماح لأي مُعطى أن يصرف الأنظار عن القضية المركزية الخاصة بالمشروع النووي الإيراني وكيفية محاصرته ومحاولة وأده.. ولا "المناخ" التركي كان قادراً على تقديم أداء يفوق الأداء العلني والسرّي القائم منذ شهور عدّة.. ما كان ممكناً سوى الاختباء وراء تلك الحقائق لإشهار قصة المهل تلك، فيما الحقيقة في مكان آخر!

.. وتلك الحقيقة يا إخوان، تستند إلى القدرات والمصالح المتشابكة للدول القريبة والبعيدة، لكنها في الأساس تستند إلى شعب سوريا نفسه الذي وعلى مدى الشهور الماضية، ضبط الإيقاع السوري على نغمة تحرّكاته. وضبط الثورة وفق إرادته. وعمّق أزمة السلطة بأدواته. وزاد وحده في انكشاف عري تلك السلطة وتمزيق أثوابها المستعارة من أفعال الممانعة والمقاومة ومشتقاتها.

الآن إختلّ الميزان: الشعب السوري يقف وحيداً، فيما السلطة تحشد دعماً روسياً إيرانياً صينياً وراء آلتها العسكرية والأمنية وتأخذ مداها في البطش والترويع والتنكيل، وتحاول التقدم تحت شعار "الحسم العسكري".. بسبب ذلك الأداء قبل أي شيء آخر، دخلت سوريا بعد 11 شهراً من ثورتها السلمية، مرحلة جديدة لا يخفي ملامحها أحد، لا العرب ولا الأوروبيون ولا الأميركيون ولا الأتراك. والمعادلة واضحة بقدر ما هي مريرة: مَن اختار الحسم العسكري وتصرّف ويتصرّف كجيش غازٍ محتلٍّ سيتحمَّل أوزار القرار. والباقي تفاصيل، حتى لو ساوى "الرفيق" لافروف بين الجلاّد والضحيّة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل