كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية": في نهاية الشهر الثاني من المهمّة الممدّدة لفريق المراقبين العرب في سوريا قدّم رئيسه الفريق اللواء محمد مصطفى الدابي استقالته الى الأمين العام للجامعة العربية معتبراً أن لا فائدة منه بعد انسحاب مراقبين من ثماني دول وفي ظلّ العنف المتواصل في سوريا. فلماذا تأخّر الدابي في اتّخاذ هذه الخطوة؟
يدرك الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي ومعه أعضاء اللجنة الوزارية العربية وقبلهم جميعا اللواء الدابي أنّ مهمة الفريق انتهت منذ الأسبوع الأوّل للمهمة بعدما لم تتوافر للبعثة أبسط مقوّمات القيام بالمهمة التي كلّفت بها وما تعرّضت له من إجراءات وتدابير قيّدت حركتها على الأراضي السوريّة ومنعتها من القيام
بـ"المهمة الغامضة" التي كُلّفت بها. فالجميع يدرك أنّها كانت التجربة الأولى من نوعها التي تُقدم عليها الجامعة العربية التي شكّلت "فريقا من كلّ وادي عصا" تنقصه الخبرة في مثل هذه المهمّات، لا بل فقد استعصت على بعضهم من أساسها في بلد لا يعرف بعضهم مكانه سوى على الخريطة قبل ان ينتقل بين ليلة وضحاها إليه في مهمّة بهذا التعقيد وهذه الخطورة.
الدم لا يأتي إلّا بالدم
لم يكن الفريق الدابي بحاجة الى بيان النفي الذي أصدره أمس الأوّل ليؤكّد أنّه تقدّم باستقالته بمباردة خاصة منه. وهو الذي قال "لم يطلب منّي أحد هذه الخطوة" ولم "يُقِلني أحد، رغم أنّ بقدرة الأمين العام للجامعة ان يتّخذ مثل هذا القرار". فمن اطّلع على السرّي من تقاريره لم يكن يحتاج الى هذا التوضيح، فقد سبق للدابي أن حذّر المعنيّين بالملف السوري من خطورة الوضع والتطوّرات المرتقبة التي ستقود اليها الخطوات العسكرية لخلوّها من خطوط الرجعة على خلفية أنّ "الدم لا يستدرج سوى الدم" وأنّ "العنف المتمادي لا يقود إلّا الى المزيد من العنف" في بلد تتعدّد فيه المذاهب والإتنيات وتتحكّم بالكثير من مناطقه عادات ومبادئ قبَليّة ومناطقية عاصية على الالتزام بمنطق الدولة لولا القهر الذي مورس بحقّ مناطق وطوائف وأحزاب محظورة وحكم استخباري لا يرحم من يودّ الخروج عليه أو العصيان بأيّ شكل من الأشكال.
وعليه، لا يبدو أنّ التطوّرات التي قامت في الأيّام الأخيرة الماضية، خلصت الى إنهاء مهمّة الفريق من لا شيء، فقد تبادلت العواصم والحكومات العربية مضمون تقارير سرّية رفعها اللواء الدابي الى العربي وعبره الى اعضاء اللجنة الوزارية العربية حملت في طيّاتها الكثير ممّا يدعو الى الاستقالة المبكرة. لكنّه كان يعتقد ــ كما نقل عنه ــ أنّه وبالرغم من كلّ هذه الملاحظات كانت لديه النيّة في أن يحقّق شيئا ما قبل ان يتحوّل الملفّ السوري الى الأمم المتّحدة والمنتديات الدولية التي يمكن ان تقود سوريا الى ما لا تحمد عقباه ويحقّق بذلك ما لم يحقّقه أيّ نظام عربي جماعي من قبل.
ملاحظات الدابي القديمة
ومن الملاحظات التي سجّلها الدابي في تقاريره السرّية، أنّه وفور وصول الفريق الى العاصمة السورية صودرت هواتف المراقبين وأُجبروا على حمل هواتف سوريّة، ولم يبقَ بتصرف الفريق سوى 10 خطوط من شبكة الثريّا تمكّنوا من الاحتفاظ بها بطريقة من الطرق. كما أنّ السلطات السوريّة حجبت عن بعض المراقبين الخليجيّين وآخرين من دول معيّنة السترات الواقية من الرصاص. ومنعت مكاتب استئجار السيّارات الخاصة في دمشق والمدن السوريّة الأخرى من تأجير السيارات الى الفريق حتى تلك التي تتعاون دوريّاً مع بعض السفارات العربية ومكتب الجامعة العربية وفرضت عليهم سيّارات معيّنة.
إلى ذلك تحدّثت الملاحظات عن ضغوط نفسية وأمنية مورست على الفريق أثناء وجودهم في الفنادق، فزرع رجال الأمن والاستخبارات كـ"الظل الوافر" أينما تحرّكوا.
وشكا الدابي في رسالة سلّمها باليد الى العربي ايضا من نقل المراقبين في بداية مهامّهم الى اماكن غير تلك التي طلبوا استكشافها، وتبيّن ذلك لهم من إفادات مواطنين سوريّين سألوا عن أهمّية وجودهم في بعض المواقع التي لم تصلها مظاهر الثورة. ولم يتمكّن الفريق ايضا من الدخول الى الكثير من المواقع والمؤسّسات السوريّة ولا الى المستشفيات والمراكز الطبّية والسجون المؤقتة التي أُقيمت بين ليلة وضحاها، بعدما تبلّغوا من قادة المعارضة وأهالي الموقوفين والسجناء السياسيّين، بحجّة أنّ بعض المواقع المطلوب
الدخول اليها ليست مفتوحة لأيّ كان، ولا يشملها البروتوكول الموقّع مع الجامعة العربية.
وفي رسالة أخرى تحدّث الدابي بأسف شديد عندما تبيّن له أنّ عدداً غير قليل من المراقبين لا علاقة لهم بالمهمة التي انتدبوا من أجلها، ولم يفهموا ما هو مطلوب منهم. وللأسف اعتقد بعضهم أنّها نزهة قبل ان يقعوا بين نارين في بعض المناطق، كما حصل في مناطق عدة من ريف دمشق وحمص ودرعا ومناطق مختلفة.
إلى ذلك، تحدّث الفريق الدابي في تقارير أخرى عن ممارسات غير سليمة وما سمّاه إغراءات تعرّض لها بعض المراقبين منعت بعضهم من القيام بمهامّه بشكل سليم على رغم الجهود التي بذلها لرفع معنويّاتهم والتأكيد على حجم الحصانة التي يتمتّعون بها. لكنّه قال "إنّهم من البشر في النهاية".
كما لفت الى الظروف التي رافقت مقتل الصحافي الفرنسي، وحدّدها بشكل دقيق، ما يوحي أنّه أُلقي في أتون من النار لم يكن أيّ عاقل يقبل بالوصول الى المنطقة التي وصلها في مثل الظروف التي رافقت جولته مع فريق لم يعرف إذا كان من وزارة الإعلام السوريّة ام أنّه من رجال الأمن الذين كُلِّفوا مهامّ إعلاميّة، لكنّها بالتأكيد تناقض الرواية الرسمية ولا تتطابق مع رواية المعارضة السوريّة في حينه.
توصية للدابي
وفي تقرير آخر انتهى الدابي الى توصية عاجلة رفعها الى اللجنة الوزارية تدعو الى ضرورة تكثيف الاتّصالات مع الجهات الدولية لتوفير الرعاية والحماية الأمميّة للفريق لأنّ الغطاء العربي انتهى من اليوم الأوّل للمهمّة. فالمراقبون باتوا بين نارين، فالسوريّون مقسومون: "النظام يريد منّا شيئاً والمعارضة شيئا آخر"، ولا يمكن للفريق، في ظلّ فقدان تدابير الحماية، القيام بأيّة مهمّة لها مصداقيتها على الإطلاق.
وعليه، وبناء على ما تقدّم، كثرت الأسئلة التي طرحت على الفريق الوزاري العربي والأمين العام للجامعة حول مهمّة الفريق ومصيره. ومنها السؤال الذي تكرّر أكثر من مرّة: لماذا تأخّر الدابي في تقديم استقالته؟