عندما اتخذ من في أيديهم قرار موت حكومة سعد الحريري، واوعزوا الى وزراء الثلث المعطّل اعلان استقالتهم الجماعية من الحكومة في توقيت محدد ارادوه احراجاً للحريري يصل الى حدود الاهانة، وهو المجتمع الى رئىس اقوى دولة في العالم والأكثرها تأثيراً، نسوا يومها أو تناسوا، ان سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، اتخذا في العام 2005، قراراً، بالوكالة عن قوى 14 آذار، باقامة تحالف انتخابي مع حزب الله وحركة امل بهدف «عدم شعور الطائفة الشيعية بالعزل والاقصاء» وهي جزء اساسي من مكونات نسيج الشعب اللبناني، وكان الكل يعلم في تلك الأيام، وخصوصاً حزب الله وحركة امل، أن جمهور 14 آذار كان الغالب والمسيطر على الأرض، وقد اعترف الجميع بالحشد الجماهيري المليوني في تظاهرة 14 آذار 2005 التي ضاقت بجماهيرها ساحتا الشهداء ورياض الصلح وجميع الطرق المؤدية اليها.
ان الشكل الذي اعتمدته قوى 8 آذار عند اسقاط حكومة الحريري، لم يكن القصد منه شطب سعد الحريري من الحياة السياسية فحسب، لأن النائب ميشال عون كان واضحاً في هذا الخصوص، عندما تفاخر بانه قطع للحريري بطاقة سفر «روحة بلا رجعة» او تحديداً «وان واي تيكيت»، بل كان القصد أيضاً تسديد ضربة قاضية لقوى 14 اذار، لا قدرة لها ان تتلقاها وتبقى صامدة، وبذلك تصيب ثلاثة عصافير بحجر واحد، تهجير سعد الحريري، تفطيس 14 اذار، تحجيم من خرجوا من 14 آذار والاستيلاء على الحكم منفردين، على عكس ما حصل في انتخابات العام 2005، حيث انتصر الشعوربالمسؤولية الوطنية، على الشعور بالمصلحة الخاصة.
مما لا شك فيه أن الضربة في بدايتها كانت قاسية وموجعة، وشعر جمهور 14 اذار بنوع من التخوّف والاحباط، ولكن هذا الجمهور العظيم الذي لم يخذل يوماً قياداته، على الرغم من هفوات واخطاء بعضهم، امتصّ سريعاً قوة الضربة، على قاعدة ان الضربة التي لا تمتيك تقوّيك، ونهض مجدداً يستفتي شعبيته في انتخابات الطلاب والمهنيين، واكدت له النتائج انه ما زال بخير، خصوصاً انها اتت متزامنة مع انفجار الحراك الشعبي العربي، الذي استطاع بالتضحيات والدم والشهداء، ان يحوّل عقوداً سوداء من القهر والذل والقتل الى ربيع مزهر يحمل الى الشعوب العربية براعم الحرية والديموقراطية على أمل بغد يحمل ثمار وغلال ما تم زرعه.
* * *
يمكن القول امام هذا المشهد، وما سوف يحصل اليوم في البيال، وغدا في 14 اذار، ان شعلة الحرية التي رفعها جمهور 14 آذار عام 2005 اضاءت جانباً كبيراً من عالمنا العربي، ودماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ودماء شهداء ثورة الارز، هي حبّة الحنطة التي ماتت في الارض الطيبة لتعطي غلالاً وفيرة لشعب لبنان والشعوب العربية الاخرى، والذين قالوا بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ان هذا الاغتيال، اشبه بالزلزال كانوا على حق، اوكانوا يتمتعون برؤية خاصة، لان الزلازل التي وقعت وتقع في بعض الدول كانت انطلاقتها الكبيرة من مساحة صغيرة قرب فندق سان جورج في بيروت، وكأنها تسونامي برّي لزلزال اغتيال الحريري.
بين النجاحات العديدة التي حققتها والاخفاقات التي واجهتها وتعلّمت منها، تؤكد قوى 14 آذار اليوم، وفي ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، انها لن تحيد عن طريق مسيرتها نحو الوصول الى الدولة القوية العادلة الواحدة، التي تجمع جميع ابنائها، ولا تفرّق بين شخص وآخر، او بين طائفة وطائفة، او مذهب ومذهب، وان سبع سنوات من استمرار رفض البعض لرغبة الشعب وحتمية التاريخ، كافية لمعرفة الحق من الباطل، والصح من الغلط، وان المكابرة في هذا الصدد، لن تؤدي الا الى مزيد من الالم والحقد والخسائر من دون فائدة لانه في النهاية لن يصّح سوى الصحيح، والصحيح ليس اكتشافاً حديثاً ولا كلام شعر، بل هو مسار، عمره من عمر الحياة، قائم على ركائز لا تموت ولا تنهار، هي الحرية والسيادة والاستقلال وكرامة الانسان، والشعب اللبناني نشأ على هذه القيم منذ الاف السنين، ولا يمكن لاحد ان ينتزعها منه، قد يعطلها الى حين، قد يصادرها قد يسجنها، لكنه ابدا لا يستطيع قتلها، لانها قيم إلهية، والآلهة لا تموت.
في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، يحسن بالجميع دونما استثناء، حتى اولئك الذين خططوا للاغتيال والذين نفذّوه، ونفذوا بعده عشرات الاغتيالات التي طاولت من هم ايضا في حجم وطن، فيراجع البعض حساباته، واين اخطأ واين اصاب، فيصحّح الخطأ، ويكثرمن الصواب، وللبعض الآخر ان يفحص ضميره ولو مرة، اذا كان ما يزال يملك ذرة من ضمير، فتظهر امام عينيه صور جرائمه البشعة التي جعلت هذا الوطن يعيش في حداد طول سبع سنوات.
استشهادك يا ابا بهاء، واستشهاد قافلة الابطال المناضلين في 14 اذار، ودماء الشهداء الاحياء، انتجت وحدة المسار والمصير بين مكونات الشعب اللبناني، وانتجت حلماً سيتحقق هو قيام الدولة.
فؤاد ابو زيد