لم يطل بي الأمر، بعد أن تعرفت على رفيق الحريري وبدأت العمل معه، حتى أدركت أن طموحه لا يتوقف عند تعهد المشاريع الانشائية، بل هو يحلم ببناء وطن. ولمست لدى الرجل صفات قيادية، ورؤية طليعية لمستقبل لبنان ودوره، آمنت بها كما آمن لاحقاً قسم كبير من اللبنانيين، وانضويت تحت لوائها بحماسة واندفاع.
كان الرئيس رفيق الحريري مشروع ربيع لبناني، فيما كان لبنان في قلب العاصفة.
في عز الحرب، كان رفيق الحريري يمثل الرهان على السلام.
وفي أبشع لحظات الطائفية، كان الرئيس الحريري يمثل التمسك بالتعايش والايمان بوجود مساحة مشتركة بين اللبنانيين.
وفي أسوأ أيام التدمير والقتل، كان رفيق الحريري يبني الحجر والبشر.
وفي خضم الجهل والتطرف والحقد، كان ابن صيدا يقدم نموذج العلم والاعتدال والتسامح.
كان رفيق الحريري يجسد مشروع لبنان سيد وحر ومستقل، ولبنان مزدهر ومركز اشعاع انساني واقتصادي وثقافي، لبنان الدولة ذات المكانة المميزة في العالم.
لقد حقق الرئيس الحريري قسماً من هذا اللبنان خلال توليه رئاسة الحكومة، ولكن لو لم يتعرض للعرقلة، ولو لم توضع العصي في طريقه، ولو سمح له بأن يحكم كما يجب، وبأن يترجم طموحاته، لكان لبنان في مكان آخر.
كان رفيق الحريري صاحب حلم، وكان شغوفاً بتحقيق حلمه، يعمل من دون هوادة، ويحرّك فريقه ويبث الحماسة في أفراده.
وعلى امتداد تعاطيه الشأن العام، أثبت الحريري من خلال ادائه السياسي أنه رجل دولة بامتياز: كان يتقن فن الاقناع، فيستوعب الخلافات، ويبتدع الحلول. يحالف بصدق ويخاصم باحترام. اذا ربح أظهرشهامة، واذا خسر تقبل النتيجة وعمل بعزم وتصميم على تغيير الواقع.
بسرعة، فهم رفيق الحريري مقتضيات اللعبة السياسية، فكان يتقدم عند المقدرة، وينكفئ موقتاً عند الحاجة، ولا تثنيه الضربات الموجعة، بل تزيده صلابة، فيتعالى، ولا يتأخر في النهوض مجدداً، وفي معاودة الانطلاق بعد أي كبوة.
هكذا كان رفيق الحريري في حياته، وهكذا كان استشهادُه، اشارة انطلاق لصحوة تاريخية غيرت مسار الأحداث في لبنان، وفتحت أبواب مرحلة جديدة في المنطقة كلها.
بعد سبع سنوات على اغتيال الرئيس الحريري، لا نزال نتذكره كل يوم ونتمنى لو كان حياً بيننا، يقود مسيرة بناء الدولة العصرية، ومسيرة الاستقلال والحرية والوحدة والازدهار.
ولكن ما يعزينا هو أن اغتيال الرئيس الحريري فجّر الغضب الذي يصنع الثورات العظيمة، وهذا الغضب لم يؤد فقط الى تحرير لبنان، بل حرر النفوس في كل المنطقة، وأظهر أن ارادة الناس تستطيع إحداث التغيير حتى في ظل أنظمة قمعية وديكاتورية.
إن الغضب الذي تبع استشهاد الرئيس الحريري أسقط عقدة الخوف من النظام السوري ومن كل الأنظمة المماثلة. وثورة الأرز حطمت الوهم، وزرعت الجرأة.
وخلاصة القول إن رفيق الحريري، في حياته واستشهاده، زرع بذار الربيع اللبناني والربيع العربي، وعسى أن يحسن اللبنانيون والعرب قطف ثمارهما.