ثمّة تشابه، في مكان ما وإلى حدّ ما، بين الغطاء الأميركيّ الذي أعطي لإسرائيل في حرب تمّوز، تلك التي بدأها العدو بتسميتها عملية "الجزاء المناسب"، وبين الغطاء الروسيّ الذي أعطي للنظام البعثيّ، تلك التي بدأها أذناب الطاغية بتسميتها خيار "الحسم". ثمة طبعاً أوجه اختلاف وافتراق عديدة…
فالإختلاف الرئيسيّ بين الحالتين أنّ الحماسة لـ"الجزاء المناسب" في تموز 2006، كانت أميركيّة في الأساس قبل أن تكون اسرائيلية، في حين لا يمكن قول الشيء نفسه عن الحالة الروسية – السورية. في هذه الحالة، هناك نظام بعثيّ ما فتئ يكرّر على مسمع الرّوس منذ أشهر، أنّه لو يعطى له الضوء الأخضر لحسم الوضع عسكريّاً، فإنّ بمستطاعه ذلك وأكثر، وإنّ كلفة ألفي قتيل يسقطون في أسبوع واحد تبقى أفضل من نزيف دمويّ يوميّ يستمرّ للعام الثاني على التوالي، خصوصاً وأنّه ستلي عملية "الحسم" خارطة طريق إصلاحيّة تتضمّن تنازلاً عن نظام الحزب الواحد، لمصلحة إتباع نموذج سلطويّ على الطريقة "البيلوروسيّة"، وربّما ينجح النظام في انتزاع بعض مصالحات إعلاميّة مع أطراف في المعارضة تكون مصدومة بالهزيمة العسكريّة السريعة للثوّار، في مواقع الحسم الأساسيّة.
وبعد أشهر من هذا الكلام البعثيّ السوريّ المتواصل، والذي كان يجد آذاناً صاغية لدى كل أصحاب العقليات "الأندروبوفية" أمنيّاً، و"البريماكوفية" ديبلوماسيّاً، في المؤسسة الحاكمة الروسيّة، كان أن اندفعت موسكو، ليس فقط إلى استخدام حقّ النقض مرة ثانية دفاعاً عن النظام البعثيّ الدمويّ، وهذه المرّة في مواجهة الإجماع العربي، بل أكثر من ذلك، أعطت صراحة ضوءاً أخضر للعملية الميدانية الشاملة التي أعطي لها اسم "الحسم".
وكما التصريحات التشجيعية الغربية لآلة التدمير الإسرائيلية في بدايات حرب تمّوز، تورّط مسؤولون روس عديدون في تصريحات استنزفت كثيراً من رصيد موسكو الديبلوماسيّ، وصار يبني عليها البعض لتضخيم الأمور أكثر، والتوهّم أنّ الجيش الأحمر السوفياتي يدير حملة بشّار وماهر الأسد الدمويّة على الشعب السوريّ.
لكن تعثّر آلة التدمير الإسرائيلية في حرب تمّوز سرعان ما دفع العواصم الغربية لبدء الحديث عن "الإستخدام المفرط للقوّة" وعدم جوازه، ثم انتقلت هذه العواصم من الضغط على اسرائيل لـ"الحسم" إلى الضغط عليها للخروج بـ"حل سياسيّ"، وهذا ما بدأ يحدث الآن في الحالة الروسية – السورية.
فالجانب الروسيّ بدأ يأخذ علماً بأنّ "الحسم" ترنّح، وصار استنزافاً، وأنّ "التركيز" البعثيّ الزائد على بابا عمرو والزبداني سمح لمقاتلي "الجيش السوريّ الحرّ" وغيره بفرض مناطق سيطرة ونفوذ مريحة لهم الى حد كبير أكثر بكثير مما كانت الحال قبل أسبوعين، هذا علاوة على الفاتورة الأخلاقية الباهظة في عالم يعيش على السرعة الفائقة لنقل الصورة.
من هنا، صار من الراجح أن يزور مسؤول روسيّ رفيع العاصمة السوريّة مجدّداً، في الأيّام الآتية، خصوصاً إذا ما استمرّ الحال في التدهور من جهة قوّات النظام، والسؤال هنا هل يحدث ذلك، قبل التقاء مجموعة "أصدقاء سوريا" أو بعده؟ إلا أنّ الأكثر رجحاناً في هذا الإطار أنّ "الحسم" صار استنزافاً، وأنّه في الأساس مسألة عدمية، لأنّ الوضع مختلف تماماً بين حمص 2012 وبين حماة 1982.
الروس في شباط 2012 كما الأميركيوّن في تموز وآب 2006: يبنون على المعطيات الميدانية في أرض المعركة. هذه المعطيات تفيد بأنّ "الحسم" ترنّح، إلا عند "صعلوك" أو "كويتب" من هنا أو هناك يصرّ على شرح آفاق الإنتقال إلى خطوة ما بعد الحسم، أي "الدستور العصريّ" الجديد الموعود. ولمّا كانت هذه المعطيات تفيد بأنّ "الحسم" ترنّح، يترتّب على من أعطى غطاء للعملية العسكريّة، أن يفاتح الطاغية البعثيّ بالأمر: عملنا ما في استطاعتنا، وعملتم ما في مستطاعكم، لكنّ هناك وقتاً لـ"الحسم"، وهذا الوقت استنزفتموه دون جدوى كبيرة. كذلك هناك معايير لنجاح الحسم، وهذه لم تنجحوا في تأمين أيّ منها، لا في الميدان ولا في الدعاية والإعلام. بالتالي، آن أوان الإنتقال إلى الخطة "دال".
في الخطة "دال" ما عاد ينفع السيناريو السابق المتفق عليه بين الروس والنظام البعثيّ. السيناريو السابق كان يقضي بأنّ يتمّ الحسم العسكريّ أوّلاً، ويُعلن دستور "عصريّ" يقضي بتجاوز نظام الحزب الواحد، وعلى العالم أن يتكيّف مع ذلك ولو طال الوقت. هذا السيناريو سقط، أوّلاً لأن الحسم العسكري فشل، وثانياً لأن الوقت الذي اعطي له يقترب من الإنتهاء، فالحسم تسمية لا تعطى لعملية لا نهاية لها، وثالثاً لأنّ امكان تكيّف العالم مع الحسم العسكريّ انعدم من الأساس، بمجرّد أنّ الفيتو الروسيّ جاء يصدم اجماعاً عربياً نادر التحقق، وتراكماً في القانون الدوليّ والعمل الدوليّ عمره من عمر الحسم الإستراتيجيّ الأكبر، عنينا به انتصار الغرب النهائيّ في الحرب الباردة.
في المقابل، أوّل السيناريو الجديد، في المفاتحة الروسيّة – السوريّة المقبلة، لا يمكنه أن يكون أقلّ من إعلان صريح من جانب الرئيس بشّار الأسد "استعداده للتنحي لو تطلّب الأمر انقاذاً لسوريا" لكن فقط كـ"أحد خيارات ممكنة في نهايات حوار وطنيّ". طبعاً، سيكون ذلك كلاماً، أو سمّاً، معسولاً، لا شكّ في ذلك، لكنه أوّل الغيث.