بهدوئه المعتاد وصرامة مواقفه، اعتلى "الكتائبي العنيد" الرئيس امين الجميل منصة 14 شباط، مخاطبا حشود "الاستقلال الثاني"، الا ان كلمته لم تقتصر فقط عليهم، فللأحرار في العالم العربي حصة كبيرة في تحيته. أيقن انه "بفضل الثورات العربية نحتفل اليوم بعودة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فهو عاد مع انتشارها".
اطلالته رصينة، تعكس شخصية مدافعة عن الحق والحقيقة في كل زمان ومكان، الا ان الرئيس اللبناني والكتائبي حفر على الصخر كما "ارزة الكتائب" كل كلمة تلاها امام المئات الصاغية بإمعان. يطول حديثه عند استرجاعه كل نضالات السنين الاخيرة الماضية مع قوى 14 اذار، ولـ"صديقه" الرئيس سعد الحريري تحية حارة تختصر بُعد المسافات القصرية، التي لم تعد تفرّق بين من ثبّتوا معا أسسَ الميثاقِ الجديد.
لاطلالة الجميل طعم خاص بالنسبة لجمهور 14 اذار، تفاعل هادئ غابت فيه الهتافات الحزبية وعلا خلاله التصفيق عند طرحه لاي نقطة مفصلية في مصير الشعوب العربية، ومسيرة ثورة الارز. ولا شك انه في تطرقه الى هموم اللبنانيين على كل الاصعدة رسالة واضحة تلقاها الاخير الذي ملّ سياسات الاصلاح والتغيير البائتة.
اعتدال وديبلوماسية وحزم، افضت الى تأكيده على ان ثورة الارز "تحتفل اليوم بعودة رفيق الحريري مع تجديدِ مفهومِ لبنان أولاً، ومع عودة القرارِ الاتهامي، وغداً، سيُطِلُّ مع الحكمِ النهائي وإحقاق الحق". وبأمل والد واخ ورفيق لفت الى انه "حين يعود شهيدٌ، كل شهداءِ القضيةِ الواحدةِ يعودون، يَرجِع بيار وأنطوان وجبران وسمير وجورج ووليد وباسم". وبثبات اكد الجميل على انه "ما من قوةٍ تستطيع وقفَ مسارِ المحكمة، الأحكامَ ستصدُر، والأقنعة ستسقُط، وتَتحقَّق العدالة".
ولـ14 اذار وصفها الرمزي الخاص بالنسبة للجميّل والممتد الى كل الشعوب العربية المستبسلة في سبيل الحرية والديموقراطية وولائها لوطنها والمؤمنة بدور المرأة والشباب، وحركةِ السلام وحقوقِ الإنسان.
كانت له الكلمة الاولى ليؤكد خلالها على صلة الوصل الوثيقة بين ثورة الارز والثورات العربية، فما عاشه لبنان من تواطؤ العديد من القوى والدول عليه طوال الثلاثين سنة يشبه الى حد بعيد ما تعرضت له الشعوب العربية من قمع وسلب حريات، قائلا "حاولوا، وما أكثرُهم، أن يَخلقوا لبنانَ يُشبِهُهم، وصارت أقصى أمانيهم اليوم أن تُشبِهَ دولُهم لبنان".
مباشرة توجه الجميل الى كل من شكك بثورة الارز من الداخل والخارج، فأكد على ان "ثورتنا غَيّرت وَجهَ لبنان فاشتَهتْهُ شعوبُ المنطقة، وقَرّرت السيرَ على خُطانا، فالتهبَ الشرقُ العربي بشُعلةِ الحرية، نحن تحرّرنا من جيوشٍ وهي تَتحرّر من أنظمة"، رابطا "محاولاتهم العبثية في إجهاض ثورةِ الأرز، واغتيالهم لقادتها ومواصلتهم تهديدَ قادةٍ جدد، بمنع وصول عدوى الثورة وعطر الديموقراطية الى انظمتهم ومجتمعاتهم، ونسمات الحرية الى الانسان العربي".
"لا سلاحَ لدينا نُصدِّرُه، ولا مرتزقةَ لدينا نُرسلُهم إلى هنا وهناك"، قالها بوضوح، بعد التطرق الى دور لبنان الثقافي والمثالي في تصدير النهج الديموقراطي، وعبر الشرعة- الاطار للشعوب العربية والتي التقت بأهدافها وقيمها مع وثيقة الازهر الشريف، اعطى مثالا حديثا وواضحا عن الدور التاريخي والريادي للبنانيين في هذا الاطار. وبصرامة لا تقبل التأويل رفض تورط لبنان بأي عنف سياسي او اقتتال داخلي، داعيا القوى والنخب العربيةَ المؤمنةَ بقيمِ الحريةِ والديموقراطيةِ والدولةِ المدنية إلى إطلاقِ ورشةِ حوارٍ حول مستقبلِ المنطقة العربية وإنسانها.