بعد مشهد البيال لن يكون المجال مفتوحاً أمام جبل محسن وباب التبّانة ليتبادلا صراعاً مذهبيّاً باسم الثورة السوريّة في لبنان.
بعد هذا المشهد بات الفرز قائماً على معادلة من هو مع الثورة السوريّة ومن هو مع النظام، ويمكن للفريق الأوّل أن يضمّ سنّة وموارنة وشيعة وعلويّين ودروزاً، كما يمكن للفريق الثاني أن يضمّ الفئات نفسها.
بعد هذا المشهد سيعود الصراع إلى أصوله الحقيقيّة، إلى لحظة 14 آذار 2005 التي اختزنت ولادة ثورة سلميّة سرعان ما أعطت الإلهام لشعاع جديد في العالم العربي.
وبعد هذا المشهد لن يكون سهلاً اتّهام الربيع العربي بارتداء لباس الخريف المذهبي، فلا سمير جعجع الماروني الذي وجّه التحيّة إلى حمص ودرعا ودير الزور سلَفيّ، ولا سعد الحريري أمير من أمراء "القاعدة"، ولا فارس سعَيد قارئ لرسالة كتبها أيمن الظواهري، بل إنّ الجميع شركاء في مشروع حداثة في لبنان وسوريا ومصر وليبيا واليمن وتونس.
ليس سرّاً أنّ الإعداد لمؤتمر "البيال" اتّخذ من ذكرى شهادة رفيق الحريري مناسبة للَجم الصراع المذهبي، وإعادة تصدير الصورة الحقيقيّة لربيع سوريا ولبنان، تلك الصورة التي كاد القمع المنظّم باسم الأقلّية للأكثرية أن يحرفها عن حقيقتها، فهذا القمع حوّل الثورة السلميّة إلى عسكريّة، وهذا ليس بمستغرب في ظلّ فشل المجتمع الدولي في إيصال سلمية الثورة إلى التغيير، لكنّه أيضا أدّى إلى حصول أضرار وتشقّقات في النسيج السوريّ، فارتفع الاحتقان المذهبي إلى أعلى، مدعوماً بإصرار النظام على إيصال الثورة السلميّة إلى نهايات مذهبية، كما أنّ هذا القمع المستمرّ أمام أنظار العرب والعالم انتقل على صورة احتقان مذهبي إلى طرابلس وصيدا، وكاد النظام السوري ينجح في إشعال الفتنة التي تستطيع أن تشوّه وجه الثورة السوريّة، وأن تسِمَ داعمي هذه الثورة، اللبنانيين سمة التعاطف المذهبي العابر للحدود.
وتبعاً لوجود هذا الخطر الدائم والمتصاعد كان سعد الحريري أمام تحدٍّ من نوع جديد ناتج عن اقتراب الوصول إلى وضع يشبه الوقوف بين سندان الاحتقان المذهبي الناتج عن قمع النظام، ومطرقة النظام نفسه الذي يندفع بسرعة محمومة نحو إشعال فتنة مذهبية للاحتماء بطائفته ولحمايتها. فكان الخيار تطوير الموقف الداعم للثورة السوريّة والإعلان عن هذا الدعم بلا مواربة ومن دون ارتداء قفّازات، تأكيداً على قطع الطريق أمام الفتنة والتحضير لعلاقة مستقبليّة مع سوريا ما بعد الأسد، وهي علاقة بدأت معالمها ترتسم من خلال كتاب "المجلس الوطني السوري" ومن خلال الكلمات التي قيلت والتي أُرسِلت فيها التحيّة إلى حمص، هذه التحيّة التي وصلت بسرعة عابرة لإرث الماضي المثقل بذكريات الوصاية، وما صورة رفيق الحريري التي وضعت على صفحة الثورة السورية تزامُنا مع احتفال "البيال" إلّا تأكيد أنّ التحيّة من بيروت إلى حمص قد تحوّلت إلى فعل بناء لربيع مشترك طال انتظاره.