#adsense

بعد سنواتٍ سبع: توزيعُ الحلوى متى يتوقّف؟

حجم الخط

أخطر ما في السنوات السبع بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري هو أنّ رمزيّة التوزيع الاحتفالي للحلوى ما زالت قائمة. والنشوة مستمرّة في لبنان… وسوريا… ولو كانت النشوة من علامات الموت في حالات الجرعة الزائدة!

في السنوات الأولى بعد 14 شباط 2005، بقي الفريق المحسوب على سوريا يُنكِر أيّ ارتباط محتمل له باغتيال الرئيس رفيق الحريري. وعندما بدأ يَرْشَح عن لجنة التحقيق الدولية ما يشير إلى دور ممكن لسوريا، خفّف هذا الفريق مِن حِدّة الإنكار ورَفَع الشعار الآتي: لا تسألوا مَن قَتَل الحريري، بل لماذا قُتِل؟

وهنا يكمن عمق الأزمة مع النظام في سوريا ومع حلفائه في لبنان. فهؤلاء يعتنقون نظرية تقول: نحن نمتلك الحقّ في كلّ ما نفعله. نحن نحتكر الوطنية، وطبيعيّ أن يكون مَن ليس معنا في موقع الخائن. نحاول أوّلاً إقناعَه، ثمّ إخضاعَه! ولكن في كلّ الأحوال، لا حاجة إلى محاورته لأنّ الحوار يعني اعتراف كلّ طرف بالآخر وبحقّه في الاختلاف، ولأنّ الحوار بين طرفين قد يُفضي إلى هزيمة أحدهما. وليست الهزيمة مِن شِيَمِ هذا الفريق.

للإنصاف والموضوعيّة، لا شيء يُثبِت حتى اليوم أنّ تُهمة الاغتيالات تقع على هذا الفريق. لكن هناك شُبهة على الأقلّ ستحاول المحكمة الدولية إثباتها. ويسمّي القرار الاتّهامي الأوّل عناصر معروفة الانتماء. وهناك أسماء أخرى ستظهر في قرارات تالية، في ملفّ الحريري وأخرى ضمّتها المحكمة إلى صلاحياتها، توحي مصادر مختلفة بأنّها تنتمي إلى الوسط أو النظام الأمني – السياسي، اللبناني – السوري ذاته. وسواء توصّلت المحكمة الدولية إلى إثبات الاتّهامات للنظام الأمني السياسي اللبناني – السوري، أم بقي الإثبات على مستوى أفراد أم لا، فإنّ الوقائع السياسية التي أعقبت 14 شباط 2005 أثبتت أنّ هذا النظام لم يتراجع ولم يتلقّن الدروس، وأنّه استغلّ كلّ عناصر الانفتاح التي أتيحت له، لا ليعيد النظر في نهجه، بل لتسديد الضربة القاضية لخصومه.

في مقابل مسعى 14 آذار إلى استيعاب "حزب الله" في الحالة اللبنانية، من خلال الحلف الرباعي، اعتمد "الحزب" سياسة التمييع وكسب الوقت، في موازاة الضغط الأمني. وفيما كان فريق 14 آذار منشغلاً بسبحة الشهداء والشهداء الأحياء الجُدد، وبأزمة نهر البارد وحرب تمّوز 2006، استخدم "الحزب" كلّ الأوراق. وفي 7 أيّار 2008، كشف علناً أنّه مستعدّ لاستخدام السلاح لإسكات خصومه. وتحت التهديد الأمني المعروف، جرى دَفْعُ وليد جنبلاط إلى خارج 14 آذار، وتالياً تحقيق الانقلاب السياسي الشهير.

وناوَرَ "الحزب" في حوارٍ لا يريده أن يصل إلى تسوية وطنية حول السلاح. وهو يناور في نظرته إلى القرارات الدوليّة، ويتعاطى مع المحكمة بالتشكيك والتجاهل، ومع أزمة سوريا بالمواربة.

لقد جعل "حزب الله" من السنوات السبع التي مرّت حتى اليوم على اغتيال الحريري سَبعاً عجافاً. وسواء كان له أو لأفراد منه أيّ ارتباط بذلك الحدث أم كان بريئاً منه تماماً، فإنّه على الأقل لم يكتسب الدروس التي أعقبت الاغتيال، وهي كلّها ذات أبعاد استراتيجية: فبعد الاغتيال بشهرين، خرجت سوريا من لبنان ولم تنجح محاولاتها للعودة "من النافذة". ومنذ القرار1701، تولّى المجتمع الدولي مصير الجنوب فأطفأ تماماً شرارات التفجير. وهناك خطّ أحمر دولي لـ"الحزب" في الإمساك بزمام السلطة في لبنان. وفوق كلّ ذلك، وفي تطوّر هو الأكثر جذريّةً، يعيش النظام الحليف في دمشق مرحلة حاسمة.

هذه التطوّرات على مدى سبع سنوات طوال، لم يستطع "حزب الله" قراءتها والانضمام إلى الحالة اللبنانية التي دعاه إليها فريق 14 آذار فوراً بعد 14 شباط 2005. ولو فعل ذلك لكان اليوم في الحضن اللبناني الآمن، لا في الأحضان الإقليمية الخطرة. وكذلك لا يستفيد النظام في سوريا من تجارب الربيع العربي التي مرّت بليبيا ومصر وتونس، كما لم يستفد من الدرس الذي تلقّاه في ربيع بيروت 2005. وعلى رغم آلاف السوريّين الذين سقطوا حتى اليوم، فإنّه يستخدم السياسة عينها: التسويف وكسب الوقت في موازاة القمع الأمني والعسكري.

رمزيّاً، توزيع الحلوى مستمرّ في الشوارع، كما في 14 شباط 2005. شوارع دمشق بعد شوارع بيروت… وإلّا فكيف يستطيع أحد أن يتصوّر الاستمرار في استخدام اللغة عينها قبل الـ5 آلاف قتيل وبَعدهم؟

الرهان أن يكون توزيع الحلوى قد توقّف في لبنان، أو أن يكون على وشك التوقُّف، وأن تكون سبع سنوات من الدروس كافية لـ"التخصّص" في الحالة اللبنانية. والرهان على أن يكون ذلك تعبيراً عن اقتناع بالوقائع الاستراتيجية الجديدة، وليس خطة جديدة لكسب الوقت، انتظاراً لمجهول قد يأتي. فحينذاك لا مجال لتجنّب الكارثة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل