كتب صهيب أيوب في "النهار": لا شيء يوحي ان معارك قد اندلعت هنا سوى انتشار حذر لعناصر من الجيش اللبناني في أجزاء متفرقة من شارع سوريا ومدخل جبل محسن و"سكة الشمال" الفاصلة بين أحياء سنية وأخرى علوية، على رغم ان تداخل الديموغرافيا في هذه المناطق الشعبية والفقيرة يبدو جليا وواضحا، ولم تستطع الحروب المتقطعة ان تمحو أثره.
يغادر ابو حسين (56 سنة) محله في شارع سوريا لبيع "قطع" غيار السيارات المستعملة الى المسجد لأداء صلاة الظهر، فيما ينشغل جاره ابو خالد (43 سنة) بتجهيز بعض البضاعة من البورسلان لتاجر من الضنية. الحياة تمضي بهدوء حذر، يقول ابو حسين ان:" السكان اعتادوا المعارك وكل شيء يعود الى ما كان عليه فور انتهائها". بعض المحال مفتوحة تستقبل زبائنها من ابناء مناطق ريفية مجاورة ومن احياء طرابلسية قريبة حيث توجد أسواق شعبية، كسوق الخضار وسوق الحسبة وسوق القمح على تخوم الشارع الحربي، فيما بقيت محال أخرى مغلقة يقف اصحابها بحذر وهم يرتشفون قهوتهم، ويلعنون، بشيء من الانكسار، "قدر" هاتين المنطقتين.
رجال ملتحون يحملون بأياديهم الخشنة أجهزة "التيكي ويكي" تصدر "خشخشة" من حين الى آخر، يتفحصون الداخل والخارج بنظرات حادة، يتوزع قربهم شبان مراهقون تبدو ملامحهم الذكورية وكأنها مستوحاة من فيلم قتالي، وهم يراقبون مداخل احيائهم وينتظرون. لكن ماذا ينتظرون؟، يجيب احدهم بجدية:"ننتظر ما اذا كانت ستندلع مرة اخرى ام لا". وبسؤالنا له عن مصدر السلاح الذي يحملونه اثناء المعارك على رغم انهم فقراء، اجاب باقتضاب: "هذه الحيلة والفتيلة من مالنا الخاص، نبيع ما نملك كي نحصل عليها لندافع عن انفسنا".
لوهلة تستطيع ان تشعر بانك تدخل مربعاً امنياً مأهولاً بسكان لا يعرفون الهدوء، بحركتهم العادية وكأن شيئاً لم يكن. وبطريقة "محلية" يكتفي هؤلاء الرجال، الذين يسمون انفسهم "حماة" الاحياء الداخلية، بالجلوس على كراس خشبية حول بائعي قهوة ليترقبوا تداعيات الجولة الحربية الاخيرة، التي خاضوها مع مقاتلين يجابهونهم على هضبة تعلو شوارعهم وازقتهم، ولا يفصل ما بين المنطقتين سوى شارع واحد، واحياء صغيرة اسماؤها غير مألوفة.
باب التبانة
داخل احياء "باب التبانة" شيء من الفقر ينهش واجهة الابنية، التي لا يكاد النهار يبدأ الا ويلتحم الضجيج بأفقها الباطوني الكثيف المتراكم فوق بعضه البعض، مشكلاً كتلة اسمنتية من أحزمة البؤس. تعيش في تلك الأبنية المهترئة وشبه المدمرة و"المفقوعة"، بسبب التقنيص والرصاص الطائش وشظايا "الانرغا"، عائلات واسر خلّفها الفقر هناك لتقتات الزمن بكل مرارته. يتلاءم الناس في تلك البيوت الصغيرة مع حياة الضجيج العارم وببقايا اساليب يومية توحي بالشقاء الدائم. هنا لا يعود الهم اليومي مرتبطا بضجيج الحياة، أكثر من انتظار لحظة موت بطيئة ولأسباب وجيهة ربما، يصبح الحديث عن الموت امرا عاديا ومكررا في مجتمع ينهشه العوز وتقيده القلة.
في الشوارع الداخلية تمر الساعات ثقيلة ورتيبة. ابنية باهتة ومحال صغيرة وكامدة. جدران مليئة بالكتابات السوداء، والشعارات التي لا يزال بعضها صامدا منذ ايام الحرب الاهلية. جدران علقت عليها صور لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان والشيخ عدنان العرعور، وأخرى لمجازر في حمص ولافتات تناصر الشعب السوري. حوادث سوريا حاضرة في كل جلسة في التبانة، ونصرة شعبها كما يقول محمد فرحات "واجب شرعي وانساني"، وهنا نقطة الجدال السياسي بين المنطقتين.
على الجدران ايضا رمز النضال في المنطقة "ابو عربي" عكاوي. يحلفون بالرجل تأكيدا لصدقهم ويتمنون عودته لينصرهم كما نصرهم سابقا. يقول فؤاد طرابيشي:" يا ريت في رجل طرابلسي يشبه ابو عربي". حماس الشباب الى الكلام يرافقه كثير من الحذر. يتوقف الكلام الامني، لنسألهم عن اوضاعهم المعيشية. وهنا تعلو ضحكات هستيرية. "وضع معيشي؟" يسأل الشاب العشريني بسخرية ليضيف: "يا عمي نحنا مدفونون في هذه الحياة. لا نعرف مصير منطقتنا ونحن فقط مستعدون للموت". عن اي موت يتحدث؟ تسأله، فيجيب: "الموت بكل معانيه. نحن هنا نتهيأ للموت لأننا لسنا احياء اصلا. هل تعتبر اننا نعيش ونحن في ظل فقر مدقع واوضاع اقتصادية بائسة؟". وكأنك فتحت الباب مشرعا لكثير من التعليقات من الشباب الذين يستمعون الى حديثنا، وبين ايديهم "نباريش" الاراكيل يضيف كل منهم ما هو محبوس في فمه. "لا اشغال ولا اعمال وكل شيء سيئ" وفق ربيع.م. (26 سنة). ربيع خطب مرتين ولم يستطع ان يتزوج "الوضع الاقتصادي سيئ للغاية ولا قدرة على الزواج. والشقة في التبانة صار سعرها 50 الف دولار. من معه في هذه الايام دولار واحد في جيبه؟" إذاً لا عمل وسط بطالة مخيبة للآمال وضمن بيئة فقيرة يجتاحها الخوف من المجهول. هربا من هذا الواقع تبقى المقاهي الشعبية الصغيرة مرتعا لهؤلاء الشبان الذين لا يعملون. يتجمعون حو ل"نفس" النرجيلة ويتحدثون عن حال منطقتهم. نفس النرجيلة في التبانة لا يتعدى ثمنه الـ1500 ليرة. وايضا الدفع لا يكون مسبقا بل مذيلا بحساب دين طويل، يدونه رامي (صاحب المقهى) بمضض، مؤكدا ان الاحوال تعيسة للغاية و"علينا ان نتحمل بعضنا". في النهاية نحن ابناء منطقة واحدة، وكلنا نعرف حقيقة الظروف التي نعيشها وبالتالي "مندير بالنا ع بعض".
حال المرارة هذه، يقابلها الكثير من التلاحم، فيشبّه لنا احد الشبان باب التبانة بـ"باب الحارة" في المسلسل السوري الشهير. عادات وتقاليد لا تزال راسخة في اذهان الناس هنا لم تندثر. الإلفة ما بين العائلات "خصوصا اثناء المعارك" كما يقول. حيث تتحول ساحة الحرب الى "خلية نحل" فيها المساعدة والتعاون بين نساء الحي ليؤمنوا العتاد والزاد للمقاتلين من ابنائهم وابناء احياء اخرى.
الجولة في "باب التبانة" تبث شعورا بالالم على حال اهلها. من شارع حرز الجبنة وبعل الدقور الى شارع الجهاد والشل وحي ابو عربي والبزار الى سوق الخضار… الحال عينها. شوارع مكتظة بالسكان لكنهم لا يظهرون. ضجيجهم كفيل بإظهارهم. محال مختلطة قرب بعضها البعض تبيع كل شيء اجمالا. وعروض مختلفة تساير ظروف الناس المعيشية، "وعلى رغم ذلك القدرة الشرائية خفيفة وفي بعض الاحيان معدومة" وفق ابو خالد، احد بائعي السمانة في حي "السبيل".
نكمل جولتنا ويبدو ان آثار المعارك لا تزال حاضرة في النفوس وفي المشهد. فلا تستمتع الحاجة جميلة (54 عاماً) بـ"شرب نفس النرجيلة" بهدوء. تتوقع على الدوام ان "تشتعل" المعارك ما بين لحظة وأخرى. وعلى رغم ان بيتها يقع في حي داخلي من "باب التبانة" (بعل الدقور) الا انها تشعر بالتوتر دائماً. تجلس هي وجاراتها على شرفة شقتها الصغيرة المكونة من 3 غرف ينام فيها 9 اشخاص، اضافة الى زوجها. زوجها يعمل في "لمّ التنك" ويبيعه عند المرفأ قرب "السقي" بأسعار بخسة حتى يحصل على بضع ألوف من الليرات "يستر" بها عائلته ويطعمها. الوضع الأمني يؤثر دائماً على حياة السكان في "باب التبانة"، وحالهم مثل حال سكان "جبل محسن". تتحدث الحاجة جميلة عن وضع زوجها "المتخبط واللامستقر مثل وضع هذه المنطقة" كما تقول، وتضيف بحسرة: "يوم بيشتغل ويوم ما بيشتغل. وحين "تعلق" (تشتعل الاشتباكات) تصبح حالنا مزرية. يأكلنا الفقر على الرغم من ان بعض الجهات تقدم لنا المساعدات والمؤن" (في اشارة الى جهات سياسية نافذة في المدينة).
وجبل محسن
الجلسة على رغم هدوئها لا توحي بالطمأنينة للنسوة اللواتي يرتدين عباءات سوداء ويرتشفن القهوة بعجل. الانتظار والترقب هما سيدا الموقف هنا في "باب التبانة". وحين نصعد الى فوق(جبل محسن) الحال لا يتبدل. عشرات العائلات تركت بيوتها وانتقلت الى بيوت اقاربها خوفاً من "عودة الاشتباكات". والمسؤولون السياسيون في "الجبل" يؤكدون ان هناك محاولة لـ"زج المنطقتين في مشروع فتنة يفيد منه اعداء لبنان".
الفقر اياه يتغلغل في بيوت حي المهاجرين و"بعل الدراويش" و"الحارة الجديدة" في جبل محسن، حيث مشاهد الفقر والتشويه العمراني. وحدها صورة رفعت لعلي عيد، الشاب الذي يعول عليه اهالي المنطقة في مسيرة طائفة تعتبر نفسها "اقلية"، تتصدر واجهة احدى البنايات مكتوب عليها: "حامل الأمانة". في الشارع الرئيس ابنية عادية، تسكنها عائلات متوسطة الحال. سكان يعيشون من مهن مختلفة، لكن معظمهم يتوزع في مجالات المقاولات وصناعة الالبسة وتجارة الموبيليا، وبعضهم الآخر يخدم في السلك العسكري، الذي يطالبون بان تتم ترقية ابنائهم فيه مثلهم مثل باقي ابناء هذا البلد. هم، كما يرددون ويفتخرون، "جزء من نسيج طرابلس الاجتماعي"، لكنهم في الوقت عينه ملتزمون خطهم السياسي الواضح والصريح والذي لا يتنازلون عنه: "خط الممانعة". ليست سوريا من تسكن لبنان عبر اهالي الجبل، فهم يرفضون ان يتم وصفهم كـ"فيلق" تابع للنظام السوري واعوانه. لكنهم ملتزمون سوريا ونظامها.
تتكدس البيوت فوق بعضها في هذه الأحياء الضيقة، عامرة بشبان يستمتعون برشف فناجين "المتة" وبمشاهدة المسلسلات السورية في وسط الشارع، أو داخل المقاهي الصغيرة العتيقة. تقول السيدة منال الماما (47 عاماً) انها تعيش بهدوء اعتيادي، ولكنها تخاف دائماً من أن تعود الحوادث الامنية الى الواجهة فتحذر أولادها، وتطلب منهم العودة باكراً في المساء. وعادة لا تكون سهرات هؤلاء الشبان خارج أحيائهم. أولاً لحساسية أوضاعها الأمنية، وثانياً لعدم قدرتهم على التمتع بسهرات شبه مكلفة خارج مقاهي حاراتهم. تشتري نساء جبل محسن كل الخضار من سوق الخضار في باب التبانة وتؤكد السيدة منال ان "هناك شبه احتكاك يومي بين اهالي المنطقتين"، مشيرة الى انها تتمنى لو ان الأوضاع تبقى على هدوئها الحالي، وان لا تشعر هي ومحيطها بالخوف من ان "تعلق" مجدداً.
نتجول داخل احياء الجبل، نمضي في الشوارع الضيقة الى "الحارة الجديدة" الواقعة قرب خط تماس مباشر مع باب التبانة. بيوت وابنية مهدمة ومهملة ومنسية، متروكة للزمن. مقهى صغير اسمه غريب "مقهى الضبع". هنا تتوزع مقاعد خشبية مهترئة في باحته الخارجية حيث بائع المصبات ربيع محمد (31 عاما) يجلس مع شبان عاطلين عن العمل. وهذه مشكلة "عويصة" لدى شباب الجبل، لان معظمهم لا يعمل، ويقضون معظم ساعاتهم في المقاهي الشعبية الصغيرة يحتسون القهوة و"المتّة" المشهورة هناك. نكمل رحلتنا ونصل الى "حي المهاجرين" الذي رمم "الصندوق الكويتي" واجهات ابنيته، لكن هذا الترميم لم يستطع محو لون الاهمال عن هذا الحي الفقير. ومن ثم ندخل في زواريب مشروع الحريري التي لا تزال بقع الدمار منتشرة على جدران ابنيته البيضاء. نصل الى شارع "الاميركان" الهادئ والذي تبدو بيوته الواطئة وابنيته الصغيرة ذات الطبقات القليلة مستكينة وخارجة عن المحيط. ننزل من الشارع الى "حي الوادي" ومن ثم الى زقاق "المحطة"، ثم تباعا نكمل جولتنا في شارع "الرمبوان" المنطقة الحديثة في جبل محسن. ثمن الشقة السكنية هناك يصل الى 250 الف دولار اميركي. بنايات حديثة، وثانوية جديدة قيد البناء، ومقاه شبابية مختلفة عن باقي مقاهي الجبل الشعبية. من هناك نتحول الى مطل على تخوم مخيم المنكوبين. مسجد السيدة فاطمة الزهراء يبدو شامخاً بقبته الخضراء. إمام المسجد الشيخ علي سليمان يقول ان "سوريا تمثل عمق العروبة والمقاومة ولذلك تتم محاسبتها"، مؤكدا ان "السنة في طرابلس والعلويين هم اخوة في الاسلام ولهم مصالح مشتركة وقرابات ومصاهرة، ولا يجب ان يتم اختزالها برأي سياسي". يعول سليمان على دور وسائل الاعلام في "تهدئة" الاوضاع واحياء السلام من خلال عملها الصحافي.
في الجولة لا تسأل السيدة الواقفة على "درابزين" شقتها في احد الزواريب عن الزائر. تقول لجارتها ان تستقبلنا في مدخل البناية الصغيرة ذات الطبقات الاربع والتي يعود بناؤها الى ستينات القرن الماضي حين بدأت تزدهر حركة البناء في الجبل. ترحب بنا بلا مقدمات وتسأل فقط عن القهوة التي نشربها. تدخل مطبخها الصغير وتخرج حاملة ركوة القهوة وهي تقول: "اهلا وسهلا". وبعد ان ننتهي من شرب فنجان القهوة تقول لنا السيدة "بيوتنا مشرعة ومفتوحة للجميع. نحن اهل كرم وضيافة واهل طرابلس اهلنا". وتلفت السيدة الخمسينية الى ان "الجبل" يعاني من مشكلات كثيرة ليس اقلها الطرق غير المزفتة وقلة المدارس والاستشفاء النادر (يوجد مستوصفان تابعان لجمعيات خيرية وحزبية) وتقول وهي تتنهد: "يا ريت الدولة تنظر الينا وتعتبرنا مواطنين من الدرجة الثانية".
فوق او تحت لا فرق. الجو هو نفسه والاحتقان، على رغم الكلام "الرومانسي" الذي يردده بعض المتفائلين امنياً، لا يزال حاضراً بقوة. حركة دؤوبة للمسلحين في الخفاء وكلام سياسي كثير ومتراكم يشعل الحساسيات ويوتر الجو في منطقتين تحاولان دائماً الخروج من الأزمات، لكنهما، دائماً، على شفير "الاشتعال".