الأربعاء بعد أحد الموتى المؤمنين
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ يوحنَّا فمِ الذَّهب (+407) ساعةُ الرَّحيل (عظة قبل الذَّهاب إِلى المنفى. 1-3)
إِنَّ الأَمواجَ لعارمَةٌ والعاصفَةُ تزمجِرُ، إِلَّا أَنَّا لا نخشَى الغَرَق: إِنَّا لمنتصبُونَ على صَخْر. ما ٱهتاجَ البحرُ وأَزبَد، فلنْ يفُتَّ ذٰلكَ الصَّخر؛ ما تتعالَ الأَمواج، لا يسَعْها أَن تبتلِعَ سفينةَ يسُوع. ممَّن نَخاف، قالوا لي؟ منَ المَوت؟ "حياتِي هي المسيحُ والموتُ ربحٌ لي". منَ النَّفِي؟ "للرَّبِّ الأَرضُ وملؤُها". منِ ٱغتصابِ الأَموال؟ "إِنَّا لم ندخلِ العالمَ بشَيء، ومنَ البيِّنِ أَنَّنا لا نخرجُ منهُ بشَيء". هولُ العالمِ بٱﮕستهزاءِ أَجبَهُهُ، أَمَّا أَموالُهُ فأَحتقِرُها. لا يُخيفُنِي الفَقر، والثَّروَةُ لا أَشتهِيهَا. لا أَرهبُ المَوت، لا أَطلبُ الحيَاة.
لا شيءَ يمكنُهُ أَن يفصِلَ بينَنا. ما جمعَهُ اللهُ لا يفرِّقُهُ الإِنسان. لقد قيلَ في الرَّجُلِ والمرأَة: يترُكُ الرَّجلُ أَباهُ وأُمَّهُ ويلزَمُ ٱمرأَتَهُ. وكلاهُما يصيرانِ جسدًا واحدًا. إِذن، ما جمعَهُ اللهُ لا يفرِّقُهُ الإِنسان". إِن كنتَ لا يسعُكَ أَن تَحُلَّ وثاقَ الزَّواج، فلأَن تعجِزَ عن أَن تُحَطِّمَ الكنيسةَ أولى؟!… أَما فهمتَ كلمَةَ الرَّبّ: "إِذا ٱجتمعَ ٱثنانِ أَو ثلاثةٌ بٱسمي، أَكونُ فيما بينَهُم". أَفَلا يكونُ الرَّبُّ ما بينَ شعبٍ كبيرٍ تشدُّهُ وشائِجُ المحبَّة؟ فلقدْ نالَني الرَّبُّ بعربونٍ عن شعبهِ. إِذن، هل بقوايَ أَنا واثِق؟ في يديَّ كتابُهُ؟ ذٰلِكُمُ مُعتمدِي، هٰذا أَمانِي، هٰذا مينائِي الهَادِي. لئن تتزعزَعِ المسكونَةُ بأَسرِها، فلأَتناوَلَنَّ هٰذا الكتَاب، أَعودُ أَقرأُه: إِنَّهُ لحِصني، إِنَّهُ لمأَمَنِي. ما قوامُهُ؟إِنِّي معكُم كلَّ الأَيَّامِ إِلى منتَهى الدَّهر.
إِنَّا لجسدٌ واحِد، والأَعضاءُ لا تكونُ بدونِ الرَّأْس، ولا الرَّأْسُ بدونِ الأَعضاء. بُعدُ الشِّقَّةِ يمكنُهُ أَن يفصِلَنا، لٰكنَّ المحبَّةَ تشُدُّنا برباطٍ لا قدرَةَ للموتِ نفسِهِ على أَن يقطَعَهُ. متَى يَمُت جسدِي تحيَ نفسِي وتتذَكَّرْ شعبِي.
الرّسالة: 2 تس 2: 1-12
مجيء الرّبّ وما يسبقه
1 أمّا في ما يختصُّ بمجيءِ ربّنا يسوعَ المسيح، وبٱجتماعنا لديه، فنسألكم، أيّها الإخوة،
2 ألّا تتسرّعوا فتتزعزعوا عن صوابكم، ولا ترتعبوا لا من نبوءة، ولا من كلمة، ولا من رسالةٍ كأنّها منّا، لكأنّ يومَ الرّبّ قد حضر.
3 فلا يخدعنّكم أحدٌ بوجهٍ منَ الوجوه، لأنّ ذٰلكَ اليومَ لا يأتي إذا لم يأتِ الجحودُ أوّلًا، ويظهر إنسانُ الإثم، إبنُ الهلاك،
4 ألمتمرّدُ المتشامخُ على كلّ من يدعى إلٰهًا أو معبودًا، حتّى إنّه يجلسُ في قدسِ هيكلِ الله، مُظهرًا نفسهُ إنّه الله.
5 ألا تتذكّرونَ أني، لمّا كنتُ عندكم، كنتُ أقولُ لكم هٰذا؟
6 والآنَ فأنتم تعلمونَ ما يعوقهُ، إلى أن يظهرَ في وقته.
7 إنّ سرّ الإثمِ قد بدأ يعملُ في الخفاء، إلى أن يُرفعَ منَ الوسط ذٰلك الّذي يعوقُ الآنَ ظهوره.
8 وعندئذٍ يظهرُ الأثيم، فيزيلهُ الرّبّ يسوعُ بنفخةِ فمه، ويبطلهُ بشروقِ مجيئه.
9 ويكونُ مجيءُ الأثيم، بعملِ الشّيطان، مصحوبًا بكلّ قوّة، وبآياتٍ ومعجزاتٍ كاذبة،
10 بكلّ خدعِ الباطلِ للّذينَ يهلكون، لأنهم لم يقبلوا محبّة ٱلحقّ فيخلصوا.
11 ولذٰلك يرسلُ الله إليهم عملَ ضلالٍ ليصدّقوا الكذب،
12 حتّى يدانَ جميعُ الّذينَ ما آمنوا بٱلحقّ، بل ٱرتضوا بٱلباطل.
شرح آيات الرّسالة:
1-12 رفض بولس في 1 تس 4/13-5/11 أن يحدّد زمن مجيء الرّبّ الآخِر، مكتفيًا بتوضيح مصير الأحياء والأموات المؤمنين. أمّا هنا فيجيب على أسئلة عديدة، فيبيّن علامات مجيء الرّبّ (2/1-5)، ويُحدّد ما يعوق هٰذا المجيء (2/6-8أ)، ويصف مجيء الرّبّ ومجيء الأثيم، وظفر الرّبّ على الأثيم (2/8ب-12).
1 1 تس 4/13-17؛ 1 قور 15/23؛ متّى 24/31.
ٱجتماعنا: وردت هٰذه الكلمة، في العهد الجديد، مرّتين، هنا وفي عب 10/25، وهي تعني جمع المسيحيّين، وتشير إلى جمع المؤمنين النُّهْيَويّ (متّى 24/31؛ 1 تس 4/17).
2 2 تس 3/17؛ 1 قور 1/8؛ 1 تس 5/2، 4.
نبوءة، كلمة، رسالة: ترجمة أخرى بدل: "نبوءة روح" هٰذه الأسباب الثّلاثة وغيرها (راجع 1 تس 2/19؛ 3/13؛ 4/15-17؛ 5/4) جعلت مسيحيّي تسالونيكي يعتقدون أنّ مجيء الرّبّ قريب، فخُيِّل إليهم أنّهم يعيشون فترة النُّهيويّة من تاريخ الخلاص. يدعوهم بولس إلى عدم الأخذ بٱلإشاعات حول قرب يوم الرّبّ، من أيّ جهة صدرت، لا من نبوءة روحيّة (روح) ولا من تعابير شفهيّة سمعوها من بولس مباشرة (كلمة) ولا من تعابير عدّة وردت في رسالته إليهم (1 تس 2/19؛ 3/13؛ 4/15-17؛ 5/4).
كأنَّها منّا: يمكن ربطها لغويًّا بٱلألفاظ الثّلاثة معًا "روح، كلمة، رسالة" أو بلفظة "رسالة" وحدها.
3 رؤ 13/1-8؛ 1 طيم 4/1؛ 17/12.
لأنّ ذٰلك اليَوْم لا يأتي إذا لم يأتِ الجحود أوّلًا: حرفيًّا "لأنّه إذا لم يأتِ الجحود أوّلًا…". وتتبع الآية 4، وتبقى الجملة، في الأصل اليونانيّ لغويًّا، ناقصة.
الجحود: المعنى الحرفيّ "ٱبتعاد، ٱنفصال، ٱرتداد" عن الله وعن عهده المقدّس، في المعنى الدّينيّ. ولقد أخذ "الجحود" طابعًا نُهيَويًّا، منذ ٱضطهاد أنطيوكس أبيفانيوس، سنى 167 ق.م. (1 مك 2/15)، وصار عنصرًا هامًّا من علامات النِّهايات في الكتب الرّؤيويّة اليهوديّة.
إنسان الإثم: وفي مخطوطات كبرى عدّة "إنسان الخطيئة"، هو "الأثيم" (2/8). الكلمة اليونانيّة "آنُومِيّا" مشتقّة من "لا+شريعة" أي إنسان بغير شريعة، أو إنسان ضدّ الشّريعة. غير أنّ ٱستعمال الكلمة أكسبها معنى جديدًا، لا علاقة له بٱلشّريعة، فأصبحت تعني الكفر بٱلله وشريعته، وعمل الإثم. لقد أتى المسيح ليخلّصنا من كلّ إثم (1 يو 3/4-5؛ 2 بط 2/8).
إبن الهلاك: الهلاك هو نقيض الخلاص والحياة. و"إبن الهلاك" تعبير ساميّ يعني، لا الهالك أو من يقود إلى الهلاك فحسب، بل من يجسّد في كيانه الإثم والشّرّ!
4 دا 11/36؛ حز 28/2؛ آش 14/13.
ألمتمرّد الشّامخ: يستعير بولس أوصافه من العهد القديم (دا 9/27؛ 11/36؛ آش 14/13-14؛ حز 28/2؛ متّى 24/15؛ مر 13/14)، فيصوّر الأثيم "متمرّدًا"، مقاومًا لكلّ ما هو مقدّس وذو علاقة بٱلله، و "شامخًا"، مترفّعًا متجبّرًا على الله وهيكله، ومجدّفًا جاعًلا نفسه إلٰهًا. وفي تلك الأوصاف إشارة واضحة إلى أنطيوكس أبيفانيوس المضطِهد نفسه. أمّا التّقليد الكنسيّ فسمّاه المسيح الدّجّال (1 يو 2/18؛ 4/3؛ 2 يو 7)، وٱعتبره إمّا شخصًا معيّنًا يظهر في آخِر الزّمان ليجرِّب ويضطهد المؤمنين (متّى 24/24؛ رؤ 13/1-8) وإِمَّا مجموع المضطِهدين للكنيسة، على مراحل تاريخها على الأرض. بولس يصفه كشخص فرد، ولا يحدّد أكثر!
6 ما يعوقه: العائق هنا شيء، أمّا في الآية 7 فشخص، يعوق ويؤخّر مجيء المسيح الدّجّال، ومن ثمّ مجيء المسيح يسوع الّذي سيقضي عليه بشروق مجيئه. إنّه شخص صالح أو قوّة خفيّة صالحة. لا يحدّد بولس. أمّا الشّرّاح فحاولوا فهم "العائق" إمّا الإمبراطوريّة الرّومانيّة لأنّها أقرّت السّلام ومنعت الثّورات والحروب الّتي كانت تُعتَبر علامات النّهاية، لأنّ المنتهى لا يحين، على قول يسوع، إلّا بعد أن يُنادى بالبشرى في كلّ الأمم (مر13/10؛ متّى 24/14).
7 سرّ الإثم: السّرّ في رسائل بولس هو مخطّط الله الخلاصيّ، ظهر جليًّا في شخص يسوع المسيح. يستعمل بولس هنا التّعبير "سرّ الإثم" بشكل غريب، مظهرًا أنّ الإثم سرّ رهيب يحاول أن يفشّل مخطّط الله الخلاصيّ، فيدخل بنوع عجيب ضمن هٰذا المخطّط! "سرّ الإثم"، هو تشخيص لعمل الشّرّير (أف 2/1-2)، يعمل الآن خفيًّا مستترًا، بسبب "العائق"، لٰكنّه يُحدث جحودًا، وعندما يظهر "إنسان الإثم"، أو "الأثيم" سيبدأ يعمل في وضح النّهار.
8 آش 11/4؛ مز 33/6؛ رؤ 19/11-21؛ أي 4/9.
يظهر الأثيم: يضع بولس مجيء الأثيم وظهوره (2/6، 8، 9) في موازاة مجيء الرّبّ يسوع وظهوره (1/7؛ 2/8؛ 1 قور 1/7). وهٰذا لا يعني المساواة بين الرّبّ والأثيم. لا موازنة بينهما! لأنّ الرّبّ يظفر على الأثيم بمجرّد مجيئه وحضوره، يُزيله ويبطله بأهون سبيل!
بنفخة فمه: صورة نبويّة (آش 11/4)، مألوفة في الأدب الرّؤيويّ.
بشروق مجيئه: في اللّحظة الأولى من مجيئه، كما النّور يبدّد الظّلام بمجرّد ظهوره.
9 أف 2/2؛ رؤ 13/11-17؛ يو 8/44؛ متّى 24/12، 24.
بعمل الشّيطان: يستعمل الشّيطان "إنسان الإثم" أداة لعمله، فيوليه سلطانه كاملًا، حتّى يعمل هو به ما يفوق قوّة النّاس جميعًا.
10 1 قور 1/18.
محبّة الحقّ: من تعابير بولس الحُسنى المألوفة في الإنجيل الرّابع. الحقّ هو حقّ الإنجيل (2 قور 6/7)، لأنّه البُشرى بيسوع، تدعونا إلى الإيمان به ومحبّته. فٱلحياة المسيحيّة ٱنقطاع عن مغريات الضّلال والكذب، لأنّ الوحي في شخص يسوع المسيح هو الحقّ، أمّا ظهور الأثيم فكذب (يو 8/34-44). والإنسان مسؤول شخصيًّا عن قبول حقّ المسيح أو رفضه (2/12).
12 1 صم 22/22؛ آش 6/10؛ 2 طيم 4/4.
13 يو 3/19؛ 9/39.
الإنجيل
لو 12: 13-21
مَنْ أقامَني قاضيًا؟
13 وقال لهُ واحدٌ من الجمْع: "يا مُعلِّم، قُلْ لأخي أن يُقاسِمَني الميراث".
14 فقال لهُ: "يا رجُل، مَن أقامَني عليكما قاضيًا ومُقسِّمًا؟".
15 ثم قال لهم: "إحذورا، وتحفَّظوا من كلّ طَمَع، لأنّه مهما كَثُرَ غِنى الإنسان، فحياته ليست من مقتنياتِه".
مثَل الغنيّ الجاهل
16 وقال لهم هٰذا المثل: "رجُلٌ غنيٌّ أغلَّت له أرضُهُ.
17 فراح يُفكّر في نفسه قائلًا: ماذا أفعل، وليسَ لديَّ ما أخزُنُ فيه غلاّتي؟
18 ثم قال: سأفعلُ هٰذا: أهدِمُ أهرائي، وأبني أكبرَ منها، وأخزُنُ فيها كلَّ حنطتي وخيراتي،
19 وأقول لِنفسي: "يا نفسي، لكِ خيراتٌ كثيرةٌ مُدّخرةٌ لسنينَ كثيرة، فٱستريحي، وكُلي، وٱشربي، وتنعَّمي!
20 فقال لهُ الله: يا جاهل، في هٰذه اللّيلة تُطلبُ منكَ نفسُكَ. وما أعدَدتَهُ لِمَن يكون؟
21 هٰكذا هيَ حالُ مَن يدَّخِرُ لنفسه، ولا يغتني لله".
شرح آيات الإنجيل:
13-34 يجمع لوقا، في هٰذا المقطع، ما علّم يسوع في موقف التّلاميذ من خيرات الدّنيا.
14 خر 2/14؛ رسل 7/27.
قاضٍ ومقسِّم: أبى يسوع القيام بمهامّ مدنيّة، فٱمتاز عن موسى (خر 2/14؛ رسل 7/27، 35)، وٱمتازت المسيحيّة.
15 1 طيم 6/9-10.
19-20 يع 4/13-15؛ سي 11/19؛ 1 قور 15/32.
22 متّى 6/19-21؛ رؤ 3/17-18.
تهمل مخطوطات هٰذه الآية، وتضيف مخطوطات: "قال يسوع هٰذا وصاح: من له سامعتان فليسمع" (لو 8/8).
لا يغتني لله: أي لا ينفق غناه في سبيل الله، فيدّخر له كنزًا في السّماء، لا غلّات في الأهراء.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءَة: (زمن الدّنح المجيد، جامعة الرّوح القدس – الكسليك، 1978)
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.