تميزت الذكرى السابعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بتماهي "قوى 14 آذار" مع الربيع العربي وبإعلانها الواضح والصريح التحالف مع المعارضة السورية التي يشكل نجاحها في تغيير النظام محطة تأسيسية على طريق قيام علاقات نديّة اخويّة بين البلدين للمرة الاولى منذ استقلالهما قبل اكثر من ستة عقود ونيّف.
وبما أن السؤال لم يعد "هل سيسقط الرئيس بشار الاسد؟" وانما "كيف سيسقط ؟"، فقد شرّعت "قوى 14 آذار"، في الذكرى، أبواب التعامل مع المرحلة القادمة باعتبار بلدها نموذجا متميزا للعلاقة بين مكونات الشعوب التعددية.
ومن موقع الواثق باستحالة بقاء نظام الاسد، مدّت هذه القوى يدها "للشركاء الاعزاء" في الوطن، حلفاء سوريا وفي مقدمهم "حزب الله"، متسائلة بلسان رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع "لماذا تصرون على إقصاء انفسكم بأنفسكم عن بقية اللبنانيين؟"، ودعتهم الى الإستفادة من هذا المفصل التاريخي وفق شروط واضحة لقيام دولة قوية ديموقراطية مستقلة تحتكر السلطة وتحمي ابناءها بما يتطلب اولاً وضع السلاح تحت سلطة الشرعية.
وسعى الرئيس سعد الحريري، نجل رفيق الحريري والزعيم السنيّ الاول، الى طمأنة الطائفة الشيعية بتأكيده أنها لا تتحمل مسؤولية دمّ والده، وأن من يتحملها هم الأفراد الأربعة الذين اتهمتهم المحكمة الدولية الخاصة حتى الآن رغم كونهم من المسؤولين في "حزب الله"، داعيا قيادته الى التخلّي عنهم.
وأتت طمأنة المسيحيين على مرحلتين. اذ جدّد الحريري للبنانيين منهم التأكيد أن السّنة هم "تيار الاعتدال والعيش الواحد والمشاركة والتعددية وهم أهل الطائف والمناصفة التامّة"، فيما تولى جعجع طمأنة السوريين منهم بقوله إن "مخاض ولادة الربيع العربي لا سيما في دمشق بما يحمله من اوجاع وآلام يجب الا يكون مدعاة للخوف" لان سوريا الديموقراطية ضمانة للبنان المستقر.
وأكدت رسالة "المجلس الوطني السوري"، التي أدرجت بين كلمات الخطباء، عزمها تلبية مطالب لبنان المزمنة التي تؤمّن علاقات نديّة بحيث تكون "علاقات بين شعبين شقيقين في دولتين مستقلتين لا علاقات تحت مسمّى شعب واحد في دولتين، وهو المسمّى الذي استخدم سابقا للوصاية على لبنان واستتباعه".
في هذا الوقت تتظهّر بوضوح أكبر هشاشة النظام السوري الذي بات مصيره بيد دولة وحيدة هي روسيا والذي سيتهاوى كقصر من ورق متى ابتعدت عنه، ولو قليلا. لذا فهو يبالغ باستخدام العنف القاتل وحده، خصوصا منذ 26 كانون الثاني الماضي، للقضاء على مناطق سيطرة المعارضين ليظهر لروسيا أنه ما زال مسيطرا على الوضع. فإيران، حليفته الاولى، لا تضمن شل مجلس الامن الدولي في مواجهته.
لكنّ الثورة تتشعب والمناطق تعود للعصيان ما ان ينسحب منها الشبيحة والقوات النظامية، فيما يستمر الاسد في كلامه عن الاصلاح، رغم ان بحر الدماء التي سالت اصبح حائلا فعليا دون تنفيذ الاصلاحات بيده هو الذي لم يقم بها طوال فترة إرثه للحكم الممتدة على أكثر من عشر سنوات بداعي ظروف استثنائية وهمية. وفي خطوة تكاد تكون هزليّة حدّد يوم 26 الجاري موعدا للاستفتاء على دستور جديد فيما لا تزال قواته تقصف وتعتقل وتقتل دون ان تستعيد فعليا السيطرة.
ويرى ديبلوماسي سابق في تحديد موعد الاستفتاء، إما هذياناً أسدياً مرتكزاً على قناعته بإمكان القضاء على الثورة في الايام العشرة المقبلة رغم مضي 11 شهرا على اندلاعها وحصدها نحو سبعة آلاف ضحية، وإما خطوة لتطويق اجتماع "أصدقاء سوريا" المقرر في 24 شباط في تونس. فالكل ،الدول العربية والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، داعمون لهذا المؤتمر باعتباره يؤمن غطاء دوليا لحماية المدنيين.
ويرجح الديبلوماسي السابق أن يعمل المؤتمر على جبهتين:
أولا وضع تصور عن كيفيّة دعم "الجيش السوري الحر" سياسياً ومادياً وفق المطلب العربي الجامع من قبل ائتلاف دولي يتخطى مجلس الامن. رغم أن حماية المدنيين قد تتطلّب في نهاية الامر إقامة ممرات إنسانية تتوجب حمايتها بحظر جوي او بقوات تركية عربية على الأقل، في ظل استبعاد الولايات المتحدة ودولا غربية رئيسية أحتمال تدخل مباشر على الارض. كذلك الاعتراف بالمعارضة على اساس أن وجود قوى متعددة فيها ليس دليل ضعف وانما ضمانة لقيام تعددية صحيحة في المستقبل لا تكون على غرار "الجبهة الوطنية التقدمية" التي اقامها النظام الحاكم ليتلطى خلفها.
وثانياً التوصل إلى خطة دعم لا تناهضها روسيا بإعطائها مثلاً ضمانات الحفاظ على قاعدتها العسكرية في ميناء طرطوس الوحيدة لها في "المياه الدافئة" على البحر المتوسط.
ويسبق هذا المؤتمر ما ستشهده الجمعية العمومية للأمم المتحدة اليوم من تصويت على قرار بدعم خطة الجامعة العربية سيأتي ايجابياً لانه يتطلب ثلثي الاصوات ولا مكان فيه لحق النقض.