ليس لتهافت "منطق" السلطة السورية حدود مفهومة أو معلومة. وليس لانكشاف الفحوى الأوّل لثقافتها السياسية الآتية من سقط اللغة والأدب حدود مفهومة أو معلومة أيضاً، بل حتى لا مجال للمقارنة بينها وبين حالات سلطوية مماثلة مرّت وعبرت وأفِلَتْ في التاريخ العربي الحديث وتركت خلفها ما تركت، من يباب ويباس ودمار وشحتار وزفت وكلس في كل نواحي الحياة والعمران والمدنية.
.. مندوب سوريا في الأمم المتحدة عيّنة "مُثلى" من ذلك المنطق وتلك الثقافة. وطلاّته الإعلامية والسياسية هناك، صدىً متمماً لطلاّت وصولات كتائب الأسد "وفتوحاتها" في مدن سوريا وقراها من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها.
أمام الجمعية العمومية للمنظمة الدولية التي كانت تبحث في الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، وقف مندوب السلطة السورية وغرف من معين أدبيات تلك السلطة، من دون أن ينتبه إلى المكان الذي يقف فيه، والجهة التي يتوجّه إليها في حديثه، مفترضاً بجرأة مشهودة، أنّ مستمعيه هم أعضاء في حلقة حزبية محلية، عليهم أن يأخذوا بما يسمعونه ويعطّلوا عقولهم.. لكنه فوق ذلك، حمل في يده ملفاً عن السعودية قال إنّه صادر عن لجنة حقوق الإنسان.
.. لم يعلّق "سعادته" على ما جاء في ذلك التقرير، لكنه أشار إلى العقاب بالسيف! مفترضاً أنه بذلك يستدرّ تحريضاً على المملكة وشرعتها! غافلاً أو متغافلاً، عن أنّ السعودية (مثلاً) لم ترسل جيشها وقواها الأمنية لتدكّ مدن البلاد وقراها ودساكرها بالمدفعية والدبابات والطائرات على مَن فيها! ولم تطلق شبّيحتها يعملون القتل والسحل في الكبير والصغير والغني والفقير من السعوديين! ولم ترتكب مجازر موصوفة بحق أبنائها فقط لأنّهم أرادوا "إرتكاب" فعل الحياة! ولم تختصر القضاء والقانون بشلّة حزبية فئوية تقرر مصائر البشر تبعاً لهواهم السياسي وأهوائهم الثقافية.. السعودية على الأقل، لم تُتَّهم بارتكاب مجازر بحق شعوب جارة لها! ولم تُتَّهم بقتل رؤساء جمهوريات وحكومات وقادة رأي وسياسة وثقافة في دولة مجاورة لها! ولم تُتَّهم بالإرهاب واعتماد أساليبه في العراق وغيره! ولم تذلّ الشعب الفلسطيني وتقاتل قيادته الشرعية لسلبه قراره الوطني المستقل لحسابها الخاص! ولم تدخل في أي نوع من المفاوضات مع الإسرائيليين، لا في السرّ ولا في العلن! ولم تدّع بطولات على حساب الآخرين، كما لم تسرق بطولات وإنجازات الآخرين!
يكفي أنّ في تلك البلاد المسوّرة بمكارم الأخلاق وتراث النبوّة الخالد، يجد الإنسان حقوقه في شرعة بلده وليس في بيان الحزب الحاكم! وفي شرعة أعزّها ربّ الدنيا وليس في تقرير جهاز استخباراتي! وفي محكمة فعلية حقيقية وليس في عهدة ضابط الأمن السياسي! وفي دولة تحترم مواطنها وتقدّم له كل أسباب الترقّي ومتطلبات العيش وليس في دولة تسلب ما لديه بعد أن تمتنع عن تقديم ما يحتاج إليه! في دولة لا تعتدي على كرامته من خلال حرمانه حتى الحق بالتنفّس الحرّ والتفكير الحرّ!
لم ينتبه "سعادته" مندوب السلطة السورية إلى أنّ حقوق الإنسان مصطلح مزدوج لا معنى له عند سلطته، ولا مفهوم له عند أدواتها! ولم ينتبه قبل ذلك، إلى أنّ من أغرب غرائب هذا الزمن، أن يتحدث سلطوي سوري عن "حقوق" و"إنسان".. ثم أن يعطي شهادات للآخرين في ذلك!