في مهرجان «البيال» في الذكرى السابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري أوّل من أمس، رسمت 14 آذار حدّاً فاصلاً واضحاً حازماً بين مرحلتين. مرحلة ما قبل الثورة السوريّة في 15 آذار 2011 من جهة ومرحلة ما بعد نظام بشّار الأسد من جهة أخرى. وهذا ما تمّ التعبير عنه في «إستضافة» كلمة من «المجلس الوطنيّ السوريّ»، وفي كلمات قيادات 14 آذار التي أعلنت بوضوح ما بعده وضوح الانحياز إلى الشعب السوريّ في معركته ضدّ النظام الديكتاتوريّ.
وفي رسم هذا الحدّ الفاصل، تقول 14 آذار إنّ الانقسام القائم في لبنان اليوم بشأن «المسألة السوريّة» لا معنى سياسيّاً وعمليّاً له. لا معنى لانقسام بينَ داعم لنظام سوريّ ساقط ومناهض لنظام سوريّ ساقط. لا معنى للانقسام بما أنّ نظام الأسد ساقطٌ حتما. وإذا كانت قوى 14 آذار ترى نفسها متضامنة مع الشعب السوريّ وثورته لأنّها في موقع واحد معهما، فإنّ المطلوب من «فريق حزب الله» ليسَ أن ينصر الثورة السوريّة وإن كان مطلوباً منه عدم المشاركة في قتالها وقتلها، بل المطلوب منه أن يعترف بـ»التحوّل السوريّ» وأن يبنيَ على الشيء مقتضاه قراءةً وحساباتٍ جديدة.
وفي تناول هذا الموضوع، كانَ الرئيس سعد الحريري الأكثر دقّة وتحديداً.
رأى أنّ ثمّة انتقالاً – في ضوء التحوّل السوريّ – على الفرقاء اللبنانيين أن يحدّدوا وجهته. وفي هذا السياق كانَ الرئيس الحريري واضحاً في اعتباره أنّ أمام لبنان فرصةً للانتقال إلى الكرامة والحرّية، لكنّ أمام لبنان خطرَ الانزلاق إلى فتنة في المقابل.
وإذ أكّد أنّه مع الفرصة الفعليّة، حذّر من اللعب على خطّ الفتنة معلناً أنّه سيتحمّل مسؤوليّاته في منعها.
من هنا، فإنّ خطاب الحريري بالتحديد كانَ دعوةً إلى الفريق الآخر ليعيدَ القراءة ويغيّر المقاربة. وفي تناسق لافِت مع هذه الدعوة، ذكّر الحريري من جديد بالمبادئ التي لا بدّ من السير فيها في المرحلة اللبنانيّة المقبلة، مرحلة ما بعد نظام الأسد في سوريّا. أي إنّ الرئيس الحريري إذ اعتبر أنّ على «فريق حزب الله» الاعتراف
بـ»الجديد»، كرّر أنّ المطلوب للمرحلة المقبلة هو العودة إلى اتّفاق الطائف والدستور والمؤسّسات والدولة، وهو السير في العدالة وحفظ السلم الأهلي.
لم ينطوِ خطاب الحريري على أيّ استقواء بالتطوّر السوريّ، ولا على أيّ انتصاريّة بفعل تقدّم الثورة السوريّة.
لم يتقدّم بمبادرة لكنّه لم يقفل أبواب الحوار في التوقيت المناسب. والتوقيت المناسب هو لحظة إقرار الفريق الآخر بأنّ جديداً يفرض نفسه على كلّ اللبنانيّين.
كانَ انفتاحُه جليّاً. ومع أنّه قال ضمناً ان لا جدوى من الحوار بالصيغة السابقة، فإنّه اعتبر أنّ مقاربةً جديدة من جانب «حزب الله» لسلاحه هي التي من شأنها أن تعبّد طريق الحوار من جديد.
إلتزم الرئيس الحريري في خطابه معادلةً ذهبيّة: أقصى الانفتاح والاعتدال ورفض الاستقواء من ناحية، لكن من غير تنازل عن مبادئ يفترض أنّها جامعة للبنانيّين من ناحية ثانية. مبادئ ليست شروطاً فئويّة ولا شروطاً تحاكي توازن قوى معيناً، بل هي شروط وطنيّة عامّة، ميثاقيّة ودستوريّة.
وفي خطابه نفسه، ثمّة تأشير مهمّ إلى المستقبل. لم تكن مخاطبته الطوائف ديكوراً في بُنية النصّ. فهوَ طوّر مفهوماً بالغ الأهمّية لانتظام تطبيق الطائف مستقبلاً… إذ شدّد على أنّ الطوائف ليست أحزاباً وعلى أن ليس هناك أحزاب للطوائف، وإذ أكّد أيضاً أنّ السلاح – المشكلة ليسَ سلاحاً لطائفة أو مذهب بل هو سلاحٌ حزبيّ غير شرعيّ. وفي ما عناه الرئيس الحريري أنّ منع الفتنة يبدأ
بـ»الفصل» بين الطوائف والأحزاب، فحقوق الطوائف «واصلة» بينما الصراع السياسيّ – الحزبيّ يجب أن يستمّر ديموقراطيّاً سلميّاً. وفي ما عناه أيضاً في قوله إنّ الطوائف ليست «ممتلكات حزبيّة»، مفهوم من ضمن نصّ الطائف وروحه يضمن نسبةً عالية من الفصل بين التمثيل السياسيّ والصراع السياسيّ وبين حقوق الطوائف ومصالحها، بينَ حقوق اللبنانيين – المواطنين من جميع الطوائف وبينَ حقوق الجماعات. إنّه مفهوم يستحقّ التأمّل في رحاب الربيع العربيّ وأحد عناوينه المركزيّة إقامة الدول المدنيّة التعدّدية الديموقراطيّة.
الأسبوع الماضي خطبَ الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله. قال إنّه يرفض الفتنة لكنّه رسم توجّهات لا تمنعُها. أمّا الرئيس الحريري فأكّد تحمّله المسؤوليّة في منعها ووضع البلد على سكّة التلاقي عندما يفكّر الجميع بالتوازي في حقائق الوضع والظروف. فلنرَ!.