كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية": إسترعى الاهتمام في الأيّام القليلة الماضية عملية تبادل الرسائل الهادئة على خط القيادات الدرزية، من دون أن يتعدّى الأمر إلى سجالات سياسية أو خلافات بين أنصار هذه القيادات.
لا تزال مسألة دروز جبل العرب نقطة الخلاف بين محور الداعمين للنظام السوري، وفي طليعتهم رئيس "حزب التوحيد العربي" الوزير السابق وئام وهّاب، والنائب طلال إرسلان، إلى النائب السابق فيصل الداوود، في مواجهة رئيس جبهة "النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، الذي بات في حالة عداء شاملة مع هذا النظام، إضافة إلى تحريضه أبناء جبل العرب لعدم الامتثال لتعليمات النظام السوري والقتال إلى جانب الثوّار. أمّا الجديد في هذا الشأن فتمثّل بالمؤتمر الصحافي الذي كان عقده الوزير وهّاب، وإطلاقه مبادرة من شأنها خلق حالة هدوء شاملة على الساحة الدرزية، وتجنيب الدروز في لبنان وسوريا أيّ خلافات، وهنا يقول وهّاب "نحن غير مستعدّين لأن تنعكس خلافاتنا السياسية بين أهلنا في القرى والبلدات في الجبل، ولن نعطي هذه الفرصة لأحد"، مشيراً إلى أنّه سلّم كلّ ما يتعلّق بهذا الأمر للمشايخ "وفي طليعتهم سيّدنا الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، وهم من يقرّرون أوّلاً وأخيراً شأن الدروز، وحكمتهم تطغى على ما عداها"، وهنا ثمّة معلومات وفق أوساط درزية عن تكليف رئيس حزب التوحيد بعض قيادات حزبه بالقيام بجولة على المشايخ لوضعهم في صورة مبادرته ونظرته للأوضاع تحت يافطة "الإستقرار والتآلف بين الجميع بمعزل عن الآراء السياسية والموقف من أيّ مُعطى كان". وستشمل هذه الجولة كلّ المشايخ والقيادات السياسية على اختلاف انتماءاتها وتوجّهاتها، وليس هناك ما يحول دون الاجتماع بالحزب الإشتراكي، خصوصاً وأنّ لقاءً سبق وجمع النائب جنبلاط بوهّاب منذ أسابيع.
من هذا المنطلق، استحوذت الاهتمام أيضاً زيارة زعيم المختارة للمرجع الروحي الشيخ ولي الدين بعدما كان التقاه وهّاب إثر عودته من دمشق ولقائه الرئيس السوري بشّار الأسد، وعليه لم يصدر أيّ موقف من جنبلاط عن فحوى هذه الزيارة، أو أنّه عاد وتحدّث بموضوع دروز سوريا نظراً لحساسية هذا الموضوع، والذي أربك دروز لبنان وسوريا في آن، نظراً للترابط الروحي والعائلي بينهما، ما يعني أنّه وبعدما أصبحت الكرة لدى المشايخ، فذلك ما يريح الجميع وعلى اختلاف نظرتهم للنظام السوري إن من المؤيّدين أو المعارضين، باعتبار أنّ هذا الشأن يشكّل إحراجاً ومادة خلافية لولا التوجّه إلى المشايخ، ومن هنا كان توجّه وهّاب وموقفه هذا بمثابة "ضربة معلّم" من حيث التوقيت والقراءة، لما للمشايخ من حكمة وطاعة لدى كلّ أبناء الجبل.
ويبقى أخيراً أنّ الأجواء المحيطة بالنائب جنبلاط تؤكّد على قطع كلّ الخطوط مع القيادة السوريّة، وإن كان هنالك من يرى بأنّ الوزير غازي العريضي يبقى القادر على إعادة فتح الخطوط في حال بقي النظام وطالت الأزمة، إذا اقتضى الأمر، لعلاقته المتينة مع القيادة السوريّة في عزّ الأزمات ما بين 8 و 14 آذار. ومن الطبيعي أنّ ذلك يحتاج إلى إشارة من جنبلاط، إنّما الموضوع يعود إلى الظروف، وحيث هي الآن لا تبشّر بالخير، خصوصاً أنّ الوزير وهّاب أطلق إشارة مهمّة عندما قال "لم يُذكَر إسم وليد جنبلاط في لقاء الثلاث ساعات مع الرئيس الأسد"، وبالتالي فإنّ موقف رئيس "جبهة النضال" حول أبناء جبل العرب قد يكون وفق المطّلعين بمثابة "الشعرة التي قصمت ظهر البعير" في العلاقة بين الطرفين.
ويبقى أيضاً أنّ إمكانية التفاهم بين القيادات المؤيّدة والمعارضة للنظام السوري أمر غير مستبعد باعتبار ذلك رغبة المشايخ، وأنّ الجميع أعطاهم حرّية التصرّف، واضعاً أوراقه في تصرّفهم لما يمثّلوه من حكمة وغيرة على مصلحة الطائفة، من دون التمييز بين هذا الطرف أو ذاك، خصوصاً أنّ وضع الطائفة كأقلّية في مواجهة التحوّلات الإقليمية، لا يسمح بأيّ خلافات بين مكوّناتها السياسية مهما كان حجم هذه الخلافات.