مع تفاقم الأوضاع وارتفاع منسوب القمع والقتل للشعب السوري على يد النظام المستأثر بالسلطة في سوريا، تزداد وتيرة التهديد للأمن والاستقرار في لبنان بالتوازي مع تواصل عرض مسلسل الشلل الحكومي وتفاقم تضارب المصالح داخلها، وتسجيل قدرة "حزب الله" على إدارة هذا الصراع داخل صفوف حلفائه بما يحفظ مصالحه الاستراتيجية في الداخل والخارج على السواء.
ما يجب الوقوف عنده في هذا السياق هو التدرّج في انحدار حضور الدولة اللبنانية على مختلف المستويات ولاسيما في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، من مرحلة التقصير والعجز إلى مرحلة المجاهرة بالسوء من القول والعمل لضرب مصالح الناس، كما يفعل وزيرا الطاقة والعمل في ملفَّي الكهرباء وتصحيح الأجور وبدل النقل.. بل بلغت الوقاحة إلى حدّ التفاخر بمخالفة الدستور بعدم التوقيع على مرسوم بدل النقل، وبمخالفة القانون كما حصل في ليلة المازوت الأحمر الشهيرة التي سجّلت دخول الوزير باسيل المعلن نادي المرابين على مال الدولة وعلى حقوق المواطنين في مازوت التدفئة المدعوم.. والأمر نفسه يتمسّك به الوزير نحاس، ليكملا رحلة ابتزاز الحكومة على أبواب الانتخابات، رغم أن الرئيس نجيب ميقاتي قدّم للنائب عون "سلفة على الحساب" عبر المبالغ المليونية التي حوّلها لمصلحة ما قيل إنها مشاريع للبنية التحتية في البترون..
مظاهر التفكك الحكومي لا تقتصر على "شبق" العونيين بالمال والسلطة، بل تمتد إلى استهداف النائب عون لمقامَي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، إلى درجة يكاد اللبنانيون يعتقدون ان الزعيم البرتقالي بات "القدّيس الحيّ" مقابل ما يصف رئيس البلاد بـ"الكومسيونجي" ورئيس الحكومة بـ"الخائن" لزوجته، الحكومة!!
لكن أسوأ ما في حالة الانحطاط الحكومي الراهنة، هي وصول التفكك إلى خطوط الأمن الاجتماعي والسياسي وصولاً إلى محاولة السعي إلى انفلات الجبهة في طرابلس بعد تأكد ما كنّا نحذّر من حصوله، ليس نتيجة انتشار السلاح فقط، بل بسبب إجهار الولاء لغير لبنان وإشهار الانتماء إلى الخارج بشكل لم يعد فيه أي تردّد أو حياء.
فقد وقف الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ليعلن أنّ حزبه الذي هو جزء من جيش ولاية الفقيه، استغنى بمال إيران إلى حد التخمة عن كل حلال وحرام منذ عام 1982 ولغاية اليوم، وهو ما كرّره زعيم ميليشيا ما يسمّى "الحزب العربي الديموقراطي" في بعل محسن بطرابلس، عندما أعلن أنّ ولاءه هو للسادة الأسد ونصرالله ونجاد دون لبنان طبعاً".
هذا الجهر بالانتماء إلى مرجعيات وأنظمة وجهات سياسية غير لبنانية، وبشكل يتناقض مع الحد الأدنى من وجود الدولة وقوانينها، يدفع إلى التوقف عند معاني هذا الانتماء:
فهل انتماء السيد نصرالله الإيراني يناقض سيادة الدولة؟ بالتأكيد لأنّ لديه قوّة عسكرية تأتمر وتتموَّل بحسب ما صرّح بكل فخر واعتزاز من إيران، دون أن يكون للدولة بمؤسساتها الدستورية والأمنية أي قدرة على الحدّ من عدوان الحزب على سيادتها، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: إذا كان الفخر يعتري السيد نصرالله إلى هذه الدرجة بانتمائه إلى ولاية الفقيه، فلماذا يبقى في لبنان، الذي اعترف بأنه تراجع عن مشروع إقامة دولته الخاصة فيه، بعد أن كان من دعاته في مرحلة نشوء "حزب الله"؟ وبالتالي، إذا كان السيد حسن يعترف باستحالة إقامة جمهورية دولة الفقيه في لبنان، وإذا كانت هذه الدولة "الإلهية" قائمة في إيران، فلماذا يتمسّك السيد نصرالله بهويته اللبنانية "الشكلية" ولا يذهب إلى إيران، حيث دولة الولي الفقيه، وحيث الحياة النموذجية التي ينشدها أتباع هذه النظرية الفقهية؟
إذا كانت إيران جنّة الله على الأرض، حسبما يعتقد السيد نصرالله، فلماذا لا ينعم بجنّة النعيم هذه بدلاً من البقاء في جحيم لبنان المليء بالخوَنَة والجواسيس والعملاء؟
وإذا كان السيد رفعت عيد يعلن أنّ ولاءه لنظام الأسد، فلماذا يبقي على جنسيته اللبنانية، ولماذا لم يلتحق حتى الآن بسرايا الدفاع، كما فعل والده في الثمانينات عندما شارك في مجزرتي طرابلس وحماة؟! بل لماذا يضيّع وقته في بعل محسن ولا يعبر الحدود إلى مولاه ليشارك معه في معركته الأخيرة؟
أسوأ ما في تداعيات إعلان عدم الانتماء إلى لبنان، هي التداعيات الأمنية التي لا يمكن فصلها عن الارتباط بالقرار الخارجي للنظام السوري الهادف إلى إشعال الفتنة في لبنان عبر مسارب متعدّدة، أبرزها:
ـ إيقاع الفتنة بين الجيش اللبناني وأبناء المناطق الحدودية الشمالية عبر الضغط على اللاجئين السوريين واللبنانيين المؤيدين للثورة السورية، وكان الدور الذي قام به سفير النظام الأسدي ومخابراته وإعلامه، عبر الادّعاء الكاذب بوجود عناصر من الجيش السوري الحرّ في الأراضي اللبنانية والزعم بأنّ الخبراء العسكريين الإيرانيين الخمسة جرى إدخالهم إلى وادي خالد..
وقد اتضح بنتيجة حملة الجيش اللبناني انه ليس هناك مسلحون سوريون في لبنان ولا مسلحون لبنانيون في سوريا، وليس لقوى 14 آذار أي علاقة بما يُحكى عن تهريب سلاح يقوم به تجّار وإن كان ذلك صحيحاً، فإنّ هؤلاء لا يوفّرون مخازن "حزب الله" والمجموعات الملحقة به من تجارتهم.
ـ إشعال جبهة طرابلس لشلّ المدينة اقتصادياً ومعاقبتها على موقفها المناصر لثورة الشعب السوري، والدليل على ان ما حصل هو نوع من الاستهداف العقابي، تركيز ميليشيات الأسد في بعل محسن على ضرورة وقف التظاهرات المناهضة للنظام في التبانة، محاولة تهديد المدينة بوضع أمنها في كفّة واستمرار التظاهر المناصر للشعب السوري في كفّة مقابلة.
وفي هذه الحالة كانت الميليشيا الأسدية في بعل محسن تسعى إلى زجّ الجيش في مواجهة مع أهلنا في التبانة والقبّة والمنكوبين، ولجعل موقع الجيش في الاصطفاف الواقعي إلى جانب قوى 8 آذار علماً أنّ هذه المحاولة محكومة بالفشل لأنّ الجيش جيشنا ولأن أهل أفراده وضبّاطه أهلنا.
يتصرف أتباع نظام الأسد في لبنان وكأنّهم ما زالوا هم الحُكَّام بالوصاية والقهر، لكنهم لا يريدون أن يعترفوا بحقيقة أن نظامهم بات في عداد الأنظمة المتهاوية، لكن ساعة إعلان سقوطه تنتظر أن يُتِمّ الشعب بناء ثورته لإعلان تحرير سوريا ولبنان والعالم العربي من أحد أكثر الأنظمة جوراً وظلماً وإرهاباً، ولعل هؤلاء الواقعين تحت رهبة هذا النظام قد يكونون ممَن تعتق رقابهم من استرقاق ديكتاتورية لطالما عرفت كيف تجذب إليها ضحاياها نحو النار والتهلكة.
ونسأل: ألا يُعتبر تصرّف أتباع نظام آل الأسد وولاية الفقيه اليوم خطوة إضافية للانقضاض على مشروع الدولة ومحاولة لإضعاف جيشنا اللبناني؟