#dfp #adsense

الدعوة إلى طائف جديد رسالة تخويف للمسيحيّين

حجم الخط

من خارج السياق، ومن دون مقدّمات، وعلى طريقته في افتعال الصدمات لإثارة الأزمات، قال رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط إنّ «الطائف انتهى ونحن في حاجة إلى طائف جديد بين السنّة والشيعة، أي في حاجة إلى تسوية جديدة».

التوقيت جاء مباشرة بعد "البيال". وكأنّ ثمّة ما أزعج "البيك" في هذا المهرجان الذي كان يفترض أن يكون أحد أركانه، لولا عامل الخوف الذي جعله بعد أحداث 7 أيار، "ينسحب" من المربّع الوطني إلى المربّع الطائفي. هذا الانسحاب الذي قد يكون نجح في "النأي" بالدروز عن المواجهة مع "حزب الله"، ولكنّه "نأى" بهم أيضاً عن المشروع الخلاصيّ للبنان بامتداده العربي والدولي، وهو الانخراط في مشروع الدولة تنفيذاً لاتفاق الطائف الذي لم يطبّق بفعل الوصاية السوريّة وتمسّك الحزب بسلاحه.

يدرك الزعيم الدرزي أنّ البحث في أيّ تسوية سياسية يتطلّب ظروفاً مؤاتية أكانت خارجية أم داخلية، وهذه الظروف لم تنضج بعد، كما يدرك، أو يفترض كذلك، أنّ ضمانته تكمن في تنفيذ الطائف، وليس بتسوية بين السنّة والشيعة تستثني المسيحيّين ويذهب معها الدروز "فرق عملة". وللتذكير فقط أنّ طائفة الموحّدين بقيادة العائلة الجنبلاطية لعبت أدواراً أكبر بكثير من حجمها وإمكاناتها، وهي لم تنكفئ إلّا نتيجة الصراع السنّي-الشيعي، أو لأنّها قرّرت تحييد نفسها في الوقت الذي كان بإمكانها الاستمرار من ضمن تحالف 14 آذار، هذا التحالف الذي جعل من جنبلاط زعيماً وطنياً، مفسحاً في المجال أمامه بلعب دور كبير منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى محاولة اجتياح الحزب للجبل.

لا شكّ أنّ لا شيء يدعو إلى الاستغراب مع الزعيم الدرزي، إذ في إمكانه أن يبدّل غداً موقفه بالدعوة إلى "ضرورة تنفيذ الطائف بحرفيته قبل أي محاولة لتعديله"، وأغلب الظنّ أنّ موقفه من أنّ "الطائف انتهى" لا ينمّ عن قناعة سياسية، بقدر ما يعبّر عن انزعاج تكتيّ من محطة "البيال"، هذا الانزعاج العائد إلى الآتي:

أولاً عدم انفراط عقد 14 آذار لمجرّد خروجه من صفوفها، وثبات هذا الفريق على أهدافه ومشروعه.

ثانياً نجاح 14 آذار بتنظيم مناسباتها وكأنّ خروج الزعيم الدرزي لم يبدّل شيئاً في وضعها ومسارها.

ثالثاً انتساب المسيحيّين إلى الربيع السوريّ وحضورهم في قلب المشهد السياسيّ، الأمر الذي يضعهم حول الطاولة لا تحتها، ويجعلهم في موقع هندسة أي تسوية سياسية، لا ضحيّة لهذه التسوية أو تلك.

رابعاً لم يتقبّل جنبلاط أنّ المسيحيّين لم يعودوا "هنوداً حمر" بعد موقفهم من الثورة السوريّة، وعودتهم بقوّة عبر بوابة "البيال" إلى المعادلة الوطنية والعربية.

خامساً نجاح المسيحيّين بتجاوز إشكاليتين تاريخيتين: العلاقة مع المسلمين والعلاقة مع سوريا. ففي الإشكالية الأولى، يرى جنبلاط أنّ المسيحيّين تقدّموا عليه لدى المسلمين والعرب. وفي الإشكالية الثانية تمكّنوا من خلال ثباتهم في مواجهة النظام السوري وتأييد المعارضة السوريّة من حجز موقع مهمّ في قلوب السوريّين، الأمر الذي سيحوّلهم إلى جسر عبور تصحيح العلاقة المأزومة تاريخياً بين لبنان سوريا.

سادساً إنّ دور المسيحيّين في الربيعين اللبناني والعربي سيجعلهم من رواد النهضة العربية الجديدة.

لعلّ عودة المسيحيّين إلى صدارة المشهد السياسيّ بعد "حروب الإلغاء" التي مورست ضدّهم من قِبل النظام السوريّ تشكّل ضمانة للبلد، لأنّ وحدهم من باستطاعتهم إبعاد الفتنة السنّية-الشيعية وترسيخ الدولة المدنية المنصوص عليها في الطائف، فيما الكلام عن طائف بين السنّة والشيعة يعني نهاية لبنان ونهاية المسيحيّين والدروز في الطليعة، فضلاً عن أنّ الشيعة والسنّة ليسوا بوارد إقامة تسوية على حساب المكوّنات الأخرى في البلد.

يبدو أنّ كلّ ما أراد قوله النائب جنبلاط بموقفه يختصر بعبارة "أنا هنا". ولكن يبقى أنّ زعيم المختارة تسرّع ولم يتنبّه إلى أنّ الموقف الذي اتخذه لا يخدم مساعيه الحثيثة الهادفة إلى إعادة الوصل مع المملكة العربية السعودية، حيث نجحت اتصالاته وزيارة النائبين مروان حمادة وغازي العريضي إلى الرياض بكسر القطيعة جزئياً مع المملكة من خلال الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية سعود الفيصل بالنائب جنبلاط، فيما الدعوة إلى طائف جديد هي نسف للطائف السعودي، هذا الطائف الذي يعتبر من أبرز الإنجازات التي حققتها المملكة السعودية، والتي سعت كلّ من سوريا وإيران إلى الانقلاب عليه واستبداله بطائف سوريّ وإيرانيّ… فهل هذا فعلاً ما أراده جنبلاط؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل