#adsense

جنبلاط يستدرج «التسوية المذهبية» ليكون عَرّابها

حجم الخط

ببراعة سياسية، يُخرِج النائب وليد جنبلاط نفسه من عقدة الضعف التي تحكّمت به منذ ثلاث سنوات. وهو اليوم يطرح نفسه عرّاباً لتسوية بين الأقوياء… لا بدّ أنها آتية

حتى أمسٍ قريب، كان جنبلاط يؤكد التمسّك بالطائف خياراً وحيداً، ويقول: "كَلّفَنا هذا الاتفاق 14 عاماً من الحروب، أي من العام 1975 إلى العام 1989. ولا نعلم كم يستغرق التوَصّل إلى اتفاق بديل منه". لكن جنبلاط بادر فجأة إلى طرح معاكس: "الطائف انتهى، والمطلوب طائف سنّي – شيعي".

هذا التبدّل في موقف جنبلاط من الطائف ليس معزولاً، إنه جزء من التحوّلات السياسية التي يعيشها الزعيم الدرزي، والتي دفعت به مجدّداً إلى خارج الحضن السوري، وإلى تموضع وَسطيّ في المعادلة الداخلية.

فجنبلاط لم يقطع الجسور المفتوحة مع "حزب الله"، فيما هو يرمّم جسوراً انقطعت لبعض الوقت مع تيار "المستقبل". وهكذا أصبح الدور الدرزي حلقة وُسطى يرضى عنها الطرفان المتصارعان، السنّي والشيعي. ومن خلالها، يمكن للطائفة الدرزية، الصغيرة حجماً، أن تضطلع بدور أساسي في "هندسة" التسوية الإجبارية الآتية إلى لبنان.

ثمة مَن يعتقد أن جنبلاط كان أكثر طموحاً خلال العام الفائت: لقد سعى إلى أن يكون عرّاب التسوية السورية الداخلية. فطائفته لها موقع مميّز في سوريا. وهو شخصياً يمتلك رصيداً من العلاقات الدولية، في آن معاً، مع موسكو وأنقرة والغرب ومعظم العرب. وهذا ما يتيح له دوراً تاريخياً في إنجاز تسوية تنقذ سوريا. وهو بدعواته النظام إلى الاستجابة للإصلاح، كان يأمل في تسوية على الطريقة اليمنية. لكن النظام أحبط المحاولات السياسية بالتعَنّت والقمع. فردّ جنبلاط بدعوة الدروز السوريين إلى عدم الانخراط في هذه المغامرة، وارتدّ إلى الملف اللبناني الداخلي على طريقة: "اللهم فاشهَدْ، إنني قد بَلّغت"!

"القمع الوَطني" يُبْطِل العقود

في الملف اللبناني، يرى جنبلاط أنه قادر فعلاً على رعاية التسوية التي لم تتحقّق في سوريا. وهو يعتقد أن العمل المطلوب أولاً هو مَنع انتقال الشرارة المذهبية إلى لبنان، خصوصاً إذا ما كُتب لسوريا الدخول في المجهول. وفي مرحلة لاحقة، يصبح ممكناً إنضاج تسوية لبنانية داخلية، تقوم أساساً على تسوية بين السنّة والشيعة.

وحتى اليوم، نجح جنبلاط في الحفاظ على ثقة "حزب الله". ولم تتأثّر هذه الثقة بابتعاده عن النظام السوري، وبتقاربه في الشكل والمضمون مع الرئيس سعد الحريري. وإذ يمدّ فريق 14 آذار يداً إلى "الشركاء" في "حزب الله"، ويأخذ الحريري على عاتقه "المسؤولية عن منع الفتنة بين السنّة والشيعة"، ويؤكد السيد حسن نصرالله رفض الفتنة، يشعر جنبلاط بأنّ "التسوية المذهبية" قد تكون أقرب من "الفتنة المذهبية" التي يدرك الجميع مخاطرها. لكن لحظة التسوية لم تنضج بعد.

هذا الدور الذي يطمح إليه جنبلاط، يبدو أيضاً صمّام الأمان له وللدروز. فمن خلاله، أبعَدَ عنه المخاوف الأمنية التي دفعته يوماً إلى أحضان النظام وحلفائه. ومن خلاله، يعود قوياً كـ"بَيضة قبّان" بين الأكثرية والأقلّية، ويحجز للدروز موقعاً مميّزاً في تسوية المتصارعين السنّة والشيعة. وإذا تمّت التسوية بين هذين الطرفين في لبنان، فإنها ستكون الأولى في المنطقة منذ انطلاق "الربيع العربي"، وقد تكون الوحيدة. ومن مصلحة الشيعة، قبل الآخرين، التقاط لحظة التسوية لحسابات إستراتيجية واضحة. ويرى كثيرون أنهم سيفعلون، وأن هناك إشارات إلى ذلك.

وسواء كانت سوريا مُقبلة على تغيير للنظام في المدى المنظور، أو على مرحلة طويلة من المغامرات المجهولة الآفاق قبل انكشاف الصورة، فإنّ سوريا الآتية لن تكون في أي حال هي نفسها سوريا القديمة. فالنظام كقوة توسعيّة تُحرِق الأوراق الإقليمية خدمة لاستمراره، وبينها لبنان، باتَ من الماضي. وقد يكون منطقياً أن ينشأ عَقد وطني جديد في لبنان، يختلف عن ذلك الذي فرضته معطيات سابقة. لكن التحدّي يكمن في الآتي: هل يُصاغ هذا العقد في ظل شعور الجميع بالحرية التي نادَت بها جماهير "الربيع العربي"؟

فتكرار "القمع الوَطني" يؤدي إلى ولادة صفقات ومُحاصصات مدمّرة، كتلك الجارية اليوم، ولا يُنتِج عقوداً وطنية دائمة، بل إنه يُبْطِل العقود القائمة ويُسقِطُها!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل