السّبت بعد أحد الموتى المؤمنين
قراءَةٌ منْ وثائقِ المجمعِ الفاتيكانيّ الثَّاني المسكونيّ كنيسةُ الأَرضِ وكنيسةُ السَّماء (دستور عقائدي في الكنيسة. 48. 49)
بما أَنَّا ٱتَّحدنَا بٱلمسيحِ في الكنيسَة، وخُتمنَا بٱلرُّوحِ القدُس "الَّذي هو عربونُ ميراثِنا"، فإِنَّنا نُدعَى أَبناءَ اللهِ حقًّا، وإِنَّا لكذٰلكَ. ولٰكنَّ السَّاعةَ لم تأْتِ بعد، لنتجلَّى معَ المسيحِ في المجَد، حيثُ نصيرُ شبيهينَ بٱلله، لأَنَّنا سنرَاهُ كما هو. ولذٰلكَ "ما دُمنَا مستوطنينَ في الجسَد، فنحنُ متغرِّبونَ عنِ الرَّبّ"، وقد حصلْنا على بواكيرِ الرُّوحِ تئنُّ في باطِنِنا، ونرغبُ في أَن نكونَ معَ المسيح، والمحبَّةُ عينُهَا تدفعُنا لنَحيا للَّذي ماتَ وقامَ لأَجلِنا، ونحرَصُ أَن نُرضيَ الرَّبَّ في كلِّ شيء، ونلبسَ سلاحَ اللهِ لنستطيعَ أَن نقاوِمَ مكايِدَ إِبليس، ونقفَ في وجهِهِ يومَ الشَّرّ. ولمَّا كنَّا لا نعلَمُ اليومَ والسَّاعة، يجبُ أَن نكونَ دومًا متيقِّظين، حسبَ تنبيهِ الرَّبّ، لنستحقَّ – وقد أَكمَلنا المجرىَ الوحيدَ لحياتِنَا الأَرضيَّة – أَن ندخُلَ معَهُ في العُرس، ونكونَ أَهلاً أَن نُعَدَّ معَ المباركِين، بدلَ أَن نكونَ مثلَ العبيدِ الأَشرارِ الكسَالى، مُبعدَينَ بأَمرٍ منَ اللهِ إِلى النَّارِ الأَبديَّةِ وإِلى الظُّلمَةِ البرَّانيَة، "حيثُ البكاءُ وصرِيفُ الأَسنان". وبٱلفعل، قبلَ أَن نَملِكَ معَ المسيحِ المُمجَّد، سنظهَرُ كلُّنا "أَمامَ منبرِ المسيح، لينالَ كلُّ واحدٍ على حسبِ ما صنعَ وهو في الجسَد، خيرًا كانَ أَم شرًّا". وفي نهايةِ العالَم، "سيخرجُ الَّذينَ عمِلُوا الصَّالحاتِ إِلى قيامَةِ الحَيَاة، والَّذين عمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلى قيامَةِ الدَّينونَة". لهٰذا، بمَا أَنَّنا نعتبرُ "أَنَّ آلامَ هٰذا الدَّهر، لا تُقاسُ بٱلمجدِ المزمعِ أَن يتجلَّى فينا، وأَنَّنا ننتظر، ثابتينَ في الإِيمان، "الرَّجاءِ السَّعيدِ وتجلِّيَ مجدَ إِلٰهنا العظيمِ ومخلِّصَنا يسوعَ المسيح"، "الَّذي سيُعِدُّ جسدَ تواضُعِنَا ليكونَ على صورةِ مجدهِ"، والَّذي سيأْتِي "ليتمجَّدَ في قدِّيسيهِ، ويظهرَ بٱلعجبِ بينَ جميعِ المؤْمنين".
فإِلى أَن يأْتِيَ الرَّبُّ في مجدهِ، وجميعُ ملائكتِهِ معَهُ، وإِلى أَن يخضعَ كلُّ شيء لهُ، بعدَ أَن يُلاشي المَوت، يكمِّلُ البعضُ من رسلِهِ غربتِهُم على الأَرض، والبعضُ قد أَكملُوا حياتَهُم يُطهِّرونَ، والبعضُ الآخَر، وقد أَصبحُوا في المجَد، يتأَمَّلُونَ "بٱللهِ الواحدِ المثلَّثِ الأَقانيم، كمَا هو في ملءِ الضَّياء". إِذًا إِنَّ الوحدةَ الَّتي تربُطُ بينَ الَّذينَ لا يزالونَ في غربَة، وبينَ إِخوتِهِم الَّذينَ رقدُوا في سلامِ المسيح، لا تعرفُ أَقلَّ ٱنفصام، بل بٱلعكسِ تتقوَّى هٰذهِ الوحدَةُ بتبادلِ الخيورِ الرُّوحيَّة، بمقتَضَى إِيمانِ الكنيسَةِ الدَّائم.
الرّسالة: 1 قور 15: 51-58
51 ها إنّي أكشفُ لكم سرًّا: لن نرقدَ جميعنا، بل جميعنا سنتحوّل،
52 في لحظة، في طرفةِ عين، عندَ البوقِ الأخير، لأنّه سيهتفُ بلبوق، فيقومُ الأمواتُ بغيرِ فساد، ونحنُ سنتحوّل.
53 فلا بدّ أن يلبسَ هٰذا الفاسدُ عدمَ الفساد، ويلبسَ هٰذا المائتُ عدمَ الموت!
نشيد النّصر والخاتمة
54 وحينَ يلبسُ هٰذا الفاسدُ عدمَ الفساد، ويلبسُ هٰذا المائتُ عدمَ الموت، حينئذٍ تتمُّ الكلمةُ المكتوبة: "لقدِ ٱبتلعَ الموت في الغلبة!
55 أينَ غلبتكَ، يا موت؟ يا موتُ، أينَ شوكتك؟"
56 إنّ شوكةَ الموتِ هي الخطيئة، وقوّةَ الخطيئةِ هي الشّريعة.
57 فٱلشّكرُ لله الّذي يُعطينا الغلبة بربّنا يسوعَ المسيح!
58 إذًا، يا إخوتي الأحبّاء، كونوا راسخين، غيرَ متزعزعين، متقدّمينَ على الدّوامِ في عملِ الرّبّ، عالمينَ أنّ تعبكم ليسَ بباطلٍ أمامَ الرّبّ.
شرح آيات الرّسالة:
51 لن نرقد جميعنا، بل جميعنا سنتحوّل: هٰذه قراءة المجلّد الفاتيكانيّ ومخطوطات كبرى وصغرى وترجمات قديمة عدّة، ومعظم الآباء الأقدمين. وفي البرديّ 46 "لن نرقد جميعنا، ولن نتغيّر جميعنا". في المجلّد السّينائيّ والإسكندريّ والأفراميّ "سنرقد جميعنا، لٰكن لن نتغيّر جميعنا". وفي المجلّد الغربيّ والفولكات والتّرجمات اللّاتينيّة القديمة "جميعنا سنقوم، لٰكن لن نتغيّر جميعنا".منذ كتابة أوّل رسالة، سنة 50 (1 تس 4/15-17)، حتّى كتابة هٰذه الرّسالة، سنة 57، ما زال بولس يرجو البقاء على قيد الحياة إلى يوم مجيء الرّبّ للدّين الآخر. جميع المؤمنين، الأحياء والأموات، سيتحوّلون من "لحم ودم" إلى "جسد روحانيّ".
52 1 تس 4/15-17؛ متّى 24/31؛ عد 10/3؛ يؤ 2/1.
البوق: يصف بولس القيامة العامّة في صُور رؤيويّة تقليديّة. فمنذ حَدَثِ سيناء دخل البوق بين رموز الظّهور الإلٰهيّ (خر 19/16، 19؛ متّى 24/31؛ 1 تس 4/16؛ رؤ 8/6-11/19).
53-54أ تكرار إسم الإشارة (أربع مرّات)، يدلّ على أنّ "الجسد" الرّوحانيّ القائم من الموت هو نفسه، في جوهره، "هٰذا الجسد" التّرابيّ المائت، بعد أن تحوّله قدرة الله غير المتناهية، بتدخّل خاصّ، وعناية عُظمى!
53 2 قور 5/4.
54ب-55 ٱستشهاد حرّ غير حرفيّ من آشعيا (25/8)، وهوشع (13/14)، لا ينطبق على النّصّ العبريّ، ولا على النّصّ السّبعينيّ.
54 آش 25/8.
55 هو 13/14؛ رؤ 20/14.
56 روم 6/14؛ 7/7، 13. شريعة الله موضوعة للنّاس العاصين المخالفين، لتُظهر لهم الخطيئة الكامنة في أعماقهم. لذٰلك تصبح الشّريعة هدفًا للمعصية، أداة للخطيئة، الّتي تعمل في العاصين الموت المؤدّي إلى الهلاك. الشّريعة والخطيئة والموت موضوع خاصّ بٱلرّسالتين إلى غلاطية وإلى رومة.
58 يو 16/33.
59 2 أخ 15/7؛ رؤ 14/13؛ قول 1/23.
نداء حارّ يحثُّ المؤمنين على الثّبات والتّقدّم والنّموّ. ويأمل بولس أن يكون قد بدّد آخر شكٍّ في نفوسهم.
الإنجيل
لو 12: 49-59
لماذا جاء يسوع؟
49 جِئتُ ألقيَ على الأرض نارًا، وكَم أودُّ لو تكون قد ٱشتعلتْ!
50 ولي معموديّة أتعمَّد بها، وما أشدَّ تضايُقي إلى أن تتِمّ!
51 هل تظنّون أنّي جئتُ أُحِلُّ في الأرضِ سلامًا؟ أقول لكم: لا! بل ٱنقسامًا!
52 فمنذُ الآن يكون خمسةٌ في بيتٍ واحد، فينقسمون: ثلاثةٌ على ٱثنين، وٱثنان على ثلاثة!
53 ينقسمُ أبٌ على ٱبنه وٱبنٌ على أبيه، أُمٌّ على ٱبنتها وٱبنةٌ على أمّها، حماةٌ على كنّتها وكنّة على حماتها!".
علامات الأزمنة
54 وقال أيضًا للجموع: "متى رأيتم سحابةً تطلعُ من المغرب، تقولون في الحال: ألمطرُ آتٍ! فيكون كذٰلك.
55 وعندما تـهبُّ ريح الجنوب، تقولون: سيكون الطّقسُ حارًّا! ويكون كذٰلك.
56 أيّها المُراؤون، تعرفون أن تميّزوا وجه الأرض والسّماء، أمّا هٰذا الزّمان فكيفَ لا تميّزونهُ؟
في المصالحة
57 ولماذا لا تحكمون بٱلحقِّ من تلقاء أنفسكم؟
58 حين تذهبُ مع خصمِكَ إلى الحاكم، إجتهِدْ في الطّريق أن تُنهي أمرَك معهُ، لئلّا يجُرَّكَ إلى القاضي، ويُسلِّمُكَ القاضي إلى السَّجَّان، والسَّجّان يطرَحُكَ في السِّجن.
59 أقول لكَ: لن تخرُجَ من هناك، حتّى تؤدّيَ آخرَ فِلْس".
شرح آيات الإنجيل:
49-50 آيتان خاصّتان بلوقا: نجهل إِطارَهما الأصليّ.
العماد: موت يسوع (مر 10/38).
النّار: قد ترمز هنا إلى الرّوح القدس، ثمرة موت يسوع (لو 3/16؛ رسل 2/3-4).
50 لو 9/22؛ مر 10/38-39.
51-53 الشّقاق: لقد قسم يسوع النّاس (2/34) معه وعليه. والشّقاق في العائلة الواحدة صورة مألوفة في كتب الأنبياء (مي 7/6؛ حج 2/22؛ ملا 3/24)، ويراجعها يسوع في (21/16).
51 لو 2/14.
أحلّ: حرفيًّا "أُعطي".ترجمة أخرى: "أنشر".
52 لو 2/34.
53 مي 7/6.
54-56 متّى 16/2-3.
57-59 حَضٌّ على استعداد لحكم الله الدّيّان، بعد الحضّ على الزّهد في الدّنيا، والإيمان بٱلله والتّوكّل عليه، والسّهر ٱنتظاراً لمجيء الرّبّ، وإيثار يسوع على كلّ شيء وكلّ أحد، وقراءة واضحة لعلامات الأزمنة (لو 12/40-56).
57 متّى 5/25-26.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءَة: (زمن الدّنح المجيد، جامعة الرّوح القدس – الكسليك، 1978)
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.