#dfp #adsense

“النهار”: أنطوني شديد اللبناني الذي حرّك ثورات “الربيع العربي” و… صنعها

حجم الخط

كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": قضى في الجبال الوعرة بين تركيا وسوريا قبل ان يرى مولوده الجديد. هو طبعا مولود فكري ينضم الى سلسلة ابداعات كتبها واصدرها انطوني شديد عن الحروب ورواياتها. الا ان عمله الاخير ("منزل من حجر") اكتسب معنى خاصا لديه كونه يروي حكاياته. حكاية العائلة في مرجعيون والبيت الذي ورثه من جدته والذي قرر العودة اليه مع زوجته وابنه مالك ليكتب ويستريح. وحكاية الشرق الاوسط الذي عرفه عن بعد، من الولايات المتحدة الاميركية حيث ولد في ولاية اوكلاهوما، وعايشه عن كثب عبر دخوله معترك الصحافة عبر الصحف والوكالات الاميركية العريقة، من "الاسوشيتد برس" الى "بوسطن غلوب" و"الواشنطن بوست" فـ"النيويورك تايمس".

في الشرق الثائر، كان انطوني حاضرا في كل مكان. في العراق، مراسلا حربيا يلاحق تفاصيل الدخول الاميركي الى بغداد. في القاهرة، مراسلا مدنيا ينام في شوارعها وعلى ارصفتها منصتا الى صراخ "الشعب يريد" في ميدان التحرير ومترقبا ترجماته. وفي ليبيا… مخطوفا مع زملاء له حيث عاش ادق لحظات حياته كما قال لاحقا، وقرر على اثرها تغيير مجال تغطياته. في لقاء مع "النهار" في ايار الماضي في بيروت قال شديد الكثير. بعضه ورد في المقابلة التي نشرت في 9 منه، وبعضه الآخر بقي في الامانات، على ان يصدر في كتابه الجديد الذي كان مقررا ان يطلقه مع زوجته ورفيقته في المهنة ايضا ندى باكري خلال جولة له في الولايات المتحدة الشهر المقبل او يستكمل في جلسات، في حديقة المنزل في مرجعيون الذي اتعبه ترميمه.

تحدث انطوني عن مأساة مرجعيون التي تشبه الى حد ما مأساة الشرق الاوسط، عن البلدة الجنوبية التي احتضنت لحقبات مظاهر الحياة النابضة، والتي تبدو اليوم اشبه بمدينة اشباح، بسبب هجرة ابنائها.

وبين مرجعيون وحروب الشرق الاوسط وانتفاضاته، قص حصيلة تجربة في فترة تحولات مصيرية ناقلا صورة الشرق الثائر الى الغرب المترقب بين محطتين. محطة تحريره من تجربة الخطف القاسية في ليبيا، ومحاولته دخول الاراضي السورية لمواكبة الانتفاضات هناك.

تحدث انطوني عن علاقة جديدة تناقش بين الدولة والحركات الاسلامية. وأبدى اهتمامه الكبير بالنموذج التركي وكيفية اجتذاب التيارات الاسلامية. اهتمام تبدو القاهرة فيه "المختبر" الاساسي. وفيما بدا مترقبا للعالم العربي الذي يدشن بداية حقبة مختلفة ولـ"خريطة جديدة ترسم ولا يبدو لبنان في منأى عنها"، توقع توجه الحكومة السورية نحو القمع اكثر منها الى تقديم التنازلات في تعاملها مع الثورة مرجحا الا يتحقق التغيير الشامل في دمشق الآن، ومعولا على نفوذ أنقرة حيال الحكومة السورية والذي يتعدى نفوذ أي حكومة أخرى.

في تلك الجلسة الطويلة، بدا شديد متعبا من تجربة الاعتقال، ولا سيما ان العملية فعلت فعلها لدى العائلة وخصوصا والده: "دائما ما اعتبرت تغطية النزاعات مهمة صعبة جدا" قال، "قمت بها لأن جزءا منها تناول الشرق الاوسط، المنطقة التي تعنيني بقوة".

وعلى رغم متابعته الدقيقة "عن بعد" لما يحصل في سوريا، الا ان تشخيصه للامور بقي ناقصا آنذاك، وهو المعتاد التفاعل الميداني مع الواقع لنقل الحقائق، وبذل الذات في سبيل مهنة اعتنق اصولها حتى… الموت.

"لست على الارض لأرى مدى توسع هذه الثورات" رددها مرارا، "يمكن القول ان الحكومة السورية ما زالت تتمتع بدعم في صفوف بعض المجموعات. الاقليات خائفة. النخبة الاقتصادية ما زالت وراء الحكومة ولكن لا ندري الى اي حد، وكذلك الاجهزة الامنية والجيش".

قد يكون عمدا او مصادفة، ان دمشق فتحت ابوابها لشديد في الاربع والعشرين ساعة التالية لنشره هذه الاقوال عبر"النهار". وعلى اثرها، كتب مقابلاته الشهيرة مع الناطقة باسم رئاسة الجمهورية بثينة شعبان ورامي مخلوف والتي أحدثت ما احدثته من فعل ورد فعل حيال العنف والفساد ومرادفاتهما.

"بعد حرب تموز 2006، أخذت اجازة سنة بهدف الاهتمام باعادة بناء منزل العائلة"، قال في احاديثه، "شكلت إعادة الاعمار هذه مناسبة لفهم الاوضاع وأعني الحدود والنزاعات والمجتمع. رسمت قوى الاستعمار الحدود عشوائيا. نشأت حروب وحصلت أمور كثيرة بعضها لا معنى كبيرا له".
بعد 17 شباط، سيفتقد الاعلام العالمي والعربي قلم علَم لبناني – اميركي حرك تحولات "الربيع العربي"، قلم انطوني شديد المواكب للثورات لا بل… أحد أبرز صانعيها.

"خسارة للعالم الحر"

ما ان نشرت الـ"نيويورك تايمس" خبر وفاة انطوني شديد (43 سنة) فجر امس بنوبة ربو حادة خلال عودته من دمشق التي دخلها خلسة مع المصور تايلر هيكس لاعداد تحقيق عن "الجيش السوري الحر"، حتى انهالت برقيات التعزية على الموقع الخاص به وبزوجته على "فايسبوك". ومما كتب فيها: "انطوني، وفاتك صدمة قوية… نصلي لاجلك"، "انطوني خسارة للعالم الحر"، "خسرنا صحافيا موهوبا، لتنعم روحه بسلام".

ونقلت الصحيفة عن هيكس ان شديد حمل معه الادوية الخاصة بمرض الربو الى سوريا وقد استخدمها لدى وصوله الى هناك عبر الحدود التركية. الا ان اضطرار الفريق الى ركوب احصنة لاجتياز الحدود ضاعف من الحساسية التي ألمّت به. ولم تنجح الاسعافات الاولية التي حاول المصور مده بها في انقاذ حياته.

وقصدت "النهار" امس منزل شديد في بيروت، فابلغها احد الاقارب ان زوجته غادرت الى تركيا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل