#dfp #adsense

لقاء الثورتين اللبنانية والسورية في ذكرى استشهاد الحريري

حجم الخط

عندما يُقال إن ثورة الأرز من ملامح الربيع العربي ومن مفتتحاته ومن "امهاته": وعندما يُقال إن ثورة الأرز من العناوين العربية الكبرى للأحداث المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة والسيادة، فليس من باب إدعاء دور، أو زعم ريادة بقدر ما هي إشارة عريضة إلى لقاء الشعوب العربية، ربما للمرة الأولى، من خارج معادلات الأنظمة، ومن خارج علاقاتها المُزيَّفة، وخلافاتها السياسية الظرفية أو غير الظرفية. فهذه الأنظمة الاستبدادية، التي اعتبرت ناسها مجرد قطعان تسوقها إلى حيث تريد، وتلعب على أوتار عديدة، لإبقائها، معلقة في عواطفها وانتماءاتها القومية على هشاشة، ووهن، تجاوزت الحدود أحياناً، باختلاف مواقع لها تُحدث شروخاً بين العلاقات "الأخوية". فالعلاقات "الأخوية" كان يجب أن تمر بهذه الأنظمة. هي تحدد مفهوم "الأخوية" و"طبيعة النسب" ومفارقاتهما وألوانهما وطبعائهما. تقطع الأواصر عندما تشاء بسياسات متصلة بأطماعها أو بأمزجتها. ونحن نشهد حتى الآن قطيعة بين أكثر من شعب عربي بسبب سلوك الأنظمة وأمراضها. ونظن أن المخططات التي وضعتها هذه الأنظمة لافتعال شروخ بين أبناء الشعب الواحد، اتبعتها، ذاتها في علاقاتها العربية وغير العربية. فرق العرب تَسُد. فَرّقْ أهلك تسُدْ.

ونظن أن للنظام السوري "الريادة" في لعب هذه الأدوار. لعبها بين شعبه والشعب اللبناني. وبينه وبين الشعب الفلسطيني، وكذلك العراقي، واليوم الشعب العربي ككل، بحيث أمسى عارياً من "شعبه" ومن العرب، ومن العالم باستثناء روسيا وبوتينها (أحد أبطال مذابح الشيشان) والصين التي تقمع التيبت وتستبد به.. من دون ان ننسى سحقها ربيعها الشبابي عام 1989 في ساحة تياتنامو وإيران ومن يجهل إيران وطغيانها وهمجيتها في التعامل مع الثورة الخضراء… يعني لم يتبق له سوى أكثر الأنظمة دموية اليوم في العالم (إن الطيور على أشكالها تقع!). خسر ناسه. ولم يربح حتى هؤلاء على المدى المتوسط. أما العروبة فحدث ولا حرج. وما كان ينعت به هذا النظام بعض الجهات بالانعزالية، ها هو واقع فيها، حتى ليبدو اليوم، أكثر الأنظمة عزلة وانعزالية في العالم. فالشعارات التي كان يرفعها كالممانعة، (أين؟ في لبنان! ولمَ لا في الجولان!)، والمقاومة لم تعُد تنطلي على احد…

كل ذلك بفضل الثورات العربية ونظن أن إخراج ثورة الأرز الجيشَ السوري من لبنان، هو المؤشر الأول الذي لم يستشعره النظام للثورة السورية. فعندما حطمت 14 آذار التي ولدت من دم الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط، ودماء الشهداء الآخرين جدران الخوف، وحررت الميادين والشوارع، بتظاهرات واعتصامات مليونية سلمية، التي ساهمت وإلى حد كبير في تحطيم هذه الجدران من الرعب والحذر، في سوريا، وفي مصر وتونس واليمن وليبيا. فعندما سقط أول جدار للوهم في بيروت اهتزت كل جدران الأمة العربية حول أنظمتها الاستبدادية. وعندما اضاء دم شهداء الأرز طريق الحرية تفتحت كل شرايين الأحرار في عالمنا العربي لرسم هذه الطريق الحافلة بالآلام والموت، لكن المجترحة أفق المستقبل والكرامة والديموقراطية. وعندما هزت ثورة الأرز بصدور أبنائها العارية أسس الوصاية السورية الإيرانية في لبنان، بدأت تهتز أسس الأنظمة الدكتاتورية الوصية على شعوبها! فالوصاية واحدة. والاحتلال واحد. والدم واحد. تحرر الشارع. تحرر الدم. تحرر الموت. لتتحرر الحياة. هذا ما فعلته ثورة الأرز، وهذا ما لم يستشعره الطغاة، لايمانهم، بأنهم فوق الإرادات الجماعية، فوق التاريخ وفي مأمن من كل ما يهدد "حكمهم" تحت عنوان "من الأبد إلى الأبد" و"الزعيم الخالد" وأنهم "صور" الآلهة التي لا تموت، على الأرض. فهم سكان دار "البقاء" والشعوب من سكان دار "الفناء"! والأخطر والأغرب ان هؤلاء وخصوصاً نظام الوصاية الذي جثم على صدور اللبنانيين أربعة عقود (بالتكافل والتضامن والتنسيق والتنافس بين الطغاة الآخرين وإسرائيل!) تعامل مع ثورة الأرز بعقل أمني، أي لا سياسي ولا تاريخي (لأنه بات خارج التاريخ) وبأسلوب بائد مسلح بالاتهامات التقليدية "مؤامرة أميركية اسرائيلية" (أو ليست اسرائيل وأميركا من أدخل النظام السوري إلى لبنان: أسألوا بعض قيادات الحركة الوطنية يعطوكم الجواب الشافي!) او "عملاء" أو "ابتداع فيلتمان" أي هذه الأساليب التخوينية التي ألفناها على امتداد هيمنة مثل هذه الأنظمة. (أو ليست هذه الأنظمة هي أكبر مؤامرة دبرتها اسرائيل وأميركا على الشعب العربي!). وعندما نعود إلى كيفية توجيه الاعلام السوري الرسمي في تصوير ثورة الأرز عند ناسه في سوريا… نجد انه اعتمد على تشويهها، وتقديمها، وكأنها موجهة "ضد الشعب السوري" نفسه وضد مصالحه وعلاقاته وحتى أمنه ووحدته. لكن المعارضة السورية واجهته في 2005 بوثيقة اعلان بيروت – دمشق وأيدت سيادة لبنان واستقلاله وحريته.

اليوم، وبعد 11 شهراً من الثورة السورية الشعبية، و7 سنوات من ثورة الأرز، التقت الاثنتان: ينبوعان رديفان لينابيع الربيع العربي، ينابيع باطنية وجوفية تواصلت من مغرب العرب إلى مشرقهم. فالثورات العربية التي أزاحت جدران الخوف، أزاحت في الوقت نفسه كل العوائق والمتاريس التي نصبتها هذه الأنظمة بينها. تذهب الأنظمة ويتحرر الفضاء العربي. والأرض العربية. والإرادة العربية؛ كأنما الشعوب العربية باتت تتنشق الهواء ذاته، وتستضيء شمساً واحدة، وتعبّ من أنهر موصولة. وعندما نرى هذا التضامن الواسع الشغوف بين الثورات العربية، من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن فإلى سوريا، نكتشف ظواهر جديدة من لقاء الشعوب على قيم الحرية، والاستقلال والديموقراطية… فكل ميدان أو ساحة أو شارع، كأنما بات ميداناً واحداً وساحة واحدة وشارعاً واحداً. ها هي الثورة التونسية تؤيد المصرية والمصرية تؤيد الليبية والليبية السورية… ولم يكن هذا في الماضي وارداً. فالأنظمة هي التي ترسم جغرافية الناس ومشاعرهم وانتماءاتهم. كأن الأصوات العربية صامتة. (ربما على انتظار) خرساء. عاجزة عن الصراخ. وحتى البكاء. وحتى النقد. كان كل صوت عربي يصمت وحده. ويحشرج وحده ويختنق وحده. لم يكن هناك شيء اسمه "العلن" اسمه فضاء . اسمه "الشارع". اسمه الجسد الحر. اسمه العين المفتوحة، كان ذلك من المحرمات. وحتى عندما تتململ فئة هنا داخل بلد، يعمد النظام إلى تأليب فئة أخرى عليها. بما يشبه التهديد بالفوضى والفراغ والرعب والقسمة. بل أكثر: كانت وسائل الاعلام والمخابرات "والغستابو" المستعربة، تعمل على تشويه كل حركة نقابية، أو ثقافية… أو تضامنية. نقطة التضامن يجب أن تنعقد حول النظام وسط تشرذم كل القوى والشرائح المحتملة.

ونظن أن الاحتفال بالذكرى السابعة لاستشهاد الرئيس الحريري في البيال في 14 شباط الجاري، كان تتويجاً للقاء الثورتين اللبنانية (ثورة الأرز والسورية، وتعبيراً عن كسر الحواجز التي كان يرفعها النظام للحؤول دون لقاء الشعبين الشقيقين (ليس هناك أنظمة شقيقة وأخرى غير شقيقة، تكون الأخوة عبر الشعوب أو لا تكون) مفتعلاً شعارات ومعارك وفتناً، طائفية ومذهبية في لبنان ليبقى سائداً على خرابها ومشوهاً كل تلاق بين الأحرار، سواء عندما صدر إعلان بيروت دمشق (2005) بين المثقفين اللبنانيين والسوريين، وقامعاً الموقعين على هذا البيان وسجن بعضهم واعتبار ما ورد فيه "خيانة وطنية" وخدمة للعدو! كان ذلك اللقاء الممنوع. والقرب المحظور والتضامن المحرم. لأن ذلك كان من الاشارات البارزة لكسر الحواجز. وتجاوز الخوف والحوار حول معاني السيادة والحرية والديموقراطية.

في البيال (وقبل ذلك موقف المجلس الوطني كرسالة تضامن بين الثورتين)، قرأ فارس سعيد رسالة المجلس الوطني، ذات المضامين الحيوية والدينامية لما يشبه اندماج الانتفاضتين وبما يؤكد مشاركة حقيقية له في هذه الذكرى المؤلمة التي انجبت 14 آذار. كأنها الصرخة الواحدة لشعبين في مواجهة نظام واحد. التقت ثورة الأرز و15 آذار في الذكرى المؤلمة، وهي ذكرى مشتركة فاقت كل تصور في القمع الدموي الذي يمارسه ذلك النظام على شعبه (10 آلاف قتيل!). فالثورة السورية كانت في صميم ثورة الأرز، في البيال. وكانت الأنظمة معلقة بأيدي الخارج والخوارج. السوري في قبضة الصين وروسيا وايران (وكأنها باتت أنظمة عربية!) واللبناني عبر حكومته في قبضة النظامين السوري والإيراني!) ونظن أن هذا اللقاء التاريخي مختلف عن مؤتمرات الأنظمة العربية والقمم والوزراء… كل هؤلاء كانوا خارج الصورة. فطغاة مؤتمرات القمم صاروا في الحضيض، اما في "دار البقاء"(القذافي) وإما في السجن المتنقل (مبارك) وإما في بلاد النفي (علي صالح) وإما في بلاد اللجوء(بن علي). للمرة الأولى وعلى أرض عربية تجتمع ثورتان من دون أثر يذكر للطغاة، اجتماع "الأنداد" و"الهموم المشتركة" والأحلام الواحدة… وخارج الانقسامات التقليدية والحزبية والايديولوجية، وخارج الوصايات. فالوصاية السورية كانت غائبة، عن هذا الاحتفال. وكذلك الإيرانية! كأنهما كانتا خارج التاريخ. أكثر: كأن النظامين العلماني! (البعثي) وولاية الفقيه الايماني، بَدَوا من متاع الماضي؛ باتا من الزمن البائد. من الوقت القديم، إزاء الثورتين اللتين تدشنان معاً أفقاً جديداً للشعبين، بل نقول إزاء شعبين عرفا أخيراً طريق "الوحدة" الحرة، والتضامن العالي والمصير المشترك.. بلا شعارات، ولا اعتساف ولا استكبار ولا قوة ولا قمع!

احتفال البيال منعطف كبير يجسد ذلك اللقاء التاريخي والجماعي والعربي والشعبي انه اللقاء الجامع في مواجهة الأنظمة الكانتونية والقمعية والعائلية والمذهبية والحزبية!
كان كل انقلاب عسكري عربي يتم على حدة، وفي مواجهة انقلابات أخرى.. انه منطق الانقلابات "الفئوي" و"الانعزالي".. اليوم الثورات تبدأ من الشعوب العربية كلها، تجمعها على قيم الانفتاح والالتزام الحي، والديموقراطية الدينامية والعروبة المشرعَّة على الأسس الانسانية والحضارية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل