يمكن القول ان خطاب رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع في الذكرى السابعة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري كان محور التعليقات والتحليل في الأوساط السياسية. فقد أثبت الرجل يوماً بعد يوم أنه رقمٌ صعبٌ في المعادلة السياسية اللبنانية وانه عصبٌ واضح وصلب في المحن السياسية.
وقبل الدخول في التفاصيل، فالمشهد أكّد أن سمير جعجع قادرٌ على محاكاة جمهور واسع يتجاوز الجمهور القواتي أو المسيحي، حتى انّ ردود الفعل تجاوزت الحدود اللبنانية في المعنيين المجازي والحقيقي. فالجمهور الذي تفاعل مع كلامه الموجه الى لبنانيين وسوريين جمعهم قدر واحد هو مواجهة جيش النظام السوري هو جمهور عريض عابر للطوائف. الا ان جعجع صاحب الباع الطويل في التجربة مع هذا النظام الذي واجهه عسكرياً وسياسياً والتي تخللتها انتصارات وانكسارات لعلّ أبرزها اعتقاله وسجنه طوال احدى عشرة سنة يعرف كيف يهاجمه وكيف يتوجه الى الذين يعانون على يده قتلاً ودماراً.
اذاً في الشكل تمكن سمير جعجع من اثبات زعامته الوطنية وقدرته على التوجه الى جمهور عريض بات ينظر اليه كما نظر يوماً الى وليد جنبلاط غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، عندما تمكن جنبلاط من ان يصبح ملهم ومرشد جمهور ثورة الارز.
اما في مضمون الكلام، فيمكن القول ان جعجع تمكن من ايصال رسائل ثلاث:
أولاً، هو عاد ليؤكّد على شراكته الوطنية مع المسلمين من موقعه كطرف مسيحي أساسي في حركة الرابع عشر من آذار.
ثانياً، هو لم يحتكر وجه "14 آذار" المسيحي، فهو وصف أن هذه الشراكة التي يمثلها اليوم ناتجة عن تراكمات واسهامات للمسيحيين في اطلاق ثورة الارز وانتفاضة الاستقلال وهذا ما ظهر من خلال:
*تأكيده أن البطريرك مار نصرالله بطرس صفير هو الراعي والمؤسس الفعلي "وغير المعلن" للثورة.
*ثنيه على دور لقاء قرنة شهوان الذي كان العين التي قاومت المخرز ابّان اشتداد قبضة النظام الامني على لبنان. فكان اقراراً بالدور الذي لعبته القوى المسيحية التي شاركت في اللقاء.
اما الرسالة الثالثة التي وجهها فهي خارجية. فهو عبر تشبيهه للوضعين اللبناني والسوري على أنهما "انسان واحد، قضية واحدة في كلّ زمان ومكان" يكون قد أزال الحواجز الطائفية والهواجس الاقلوية التي حاول الفريق الذي يدور في فلك سوريا و"حزب الله" تسويقها لتحريض الرأي العام المسيحي ضدّ الثورة السورية. فربطه للمأساة وللنضال ولمعركة الحرية أعادت تصويب البوصلة بعد ان كان بعض المجتمع المسيحي أضاعها. فذاكرة الشعوب النامية في دول العالم الثالث هي قصيرة، وبالتالي فإن التخويف من التغيير دخل في أذهان بعضهم من المتناسين أنّ اللعنات التي انزلت بمسيحيي لبنان منذ بداية الحرب عام 1975 وحتى اليوم، تحمل توقيع نظام البعث. من المجازر التي ألحقتها استخبارات النظام ومنظماتها وخلاياها في قرى دير عشاش وبيت ملات والقاع وغيرها، مروراً بالاشتباكات العنيفة التي دمّرت بعض القرى تدميراً كاملاً مثل قرية قنات، وصولاً الى الحروب العسكرية التي شنّها الجيش العربي السوري على زحلة والاشرفية التي دكّتها الاسلحة السورية الثقيلة على مدى مئة يوم. وربما فات بعضهم أن ما يجري اليوم في حمص وحماه تحت عنوان احباط المؤامرة، حصل في المناطق المسيحية ايضاً تحت عنوان احباط المؤامرة ومنع التقسيم ووحدة لبنان وعدد من الشعارات الفارغة التي استعملت كمطية من اجل ضرب المسيحيين في لبنان.عدا عن ضرب ومسخ المؤسسات الدستورية والنقابية عبر احلال أعراف لا تمتّ الى العيش المشترك والتجربة الديمقراطية اللبنانية.
وبعيداً عن الحرب العسكرية مع النظام السوري، فان هذا الاخير استفحل في ضرب المسيحيين باعتبارهم رأس الحربة في معركة الاستقلال وفي الحفاظ على الكيان. فما ان انتهت الحرب حتى عمد الى سجن ونفي واغتيال قادتهم، قبل أن يشرع في ملاحقة واذلال وتجويع شبابهم وضرب مؤسساتهم الاقتصادية والتربوية والاجتماعية.
وهنا يكون جعجع أصاب هدفين: الاول، يتمثل بالربط مع ثوار سوريا من اجل معركة الحريات والديمقراطية والتي وصفها على انها واحدة، والثاني عبر وضع المسيحيين في خانة المتعاطف مع الثورة ليخرجهم من العزلة الاقلوية التي حاولت بعض مرجعياتهم زجّهم بها.
أما المسيحيون السوريون المتعاطفون مع الثورة والذين شعروا لوهلة أنهم باتوا يغردون خارج السرب وباتوا خارج الحسابات، أعادوا الثقة بمعنوياتهم وبدورهم كجزء أساسي من الشعب السوري الذي يخوض معركة وجود، وهذا ما تجلّى عبر تعليقاتهم على العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي الداعمة للثورة السورية.
خلاصة الكلام الذي وجهه في الخطاب الذي وصفه بعضهم بانه صالح لأن يكون نصّاً مرجعياً للعلاقات المسيحية- السورية مستقبلاً، يكون سمير جعجع قد نقل المسيحيين من محلية سياسية متمثلة بالنقاش حول "جسر جلّ الديب" و"سدّ بلعة" والخلاف بين ميشال عون ورئيس الجمهورية حول التعيينات، وهي عناوين لا تدلّ سوى على استقالة المسيحيين من الحياة الوطنية وتخليهم عن دورهم الريادي في المناداة بقيم حقوق الانسان والديمقراطية والحرية، وهي القيم التي كانوا اوّل من عمل لأجل ترسيخ مفاهيمها في الشرق، يكون قد نقلهم الى قلب الحدث الذي يرتسم من خلاله شرق جديد وبالتالي يكون قد تجاوز "النقزة" التاريخية للمسيحين من المحيط الاسلامي من أجل تأسيس شراكة جديدة في التغيير الحاصل في العالم العربي. وهو في ذلك خرج من صفوف المنتظرين على لائحة تقطيع الوقت ودخل في قلب الحدث رغم التحذيرات البريء منها والخبيث في عدم الدخول.
الا انّ هذا الكلام كان له ارتدادات معاكسة بدأت مع وليد جنبلاط الذي اعتبر ان الذكرى السابعة لاغتيال الحريري لم تحمل أي جديد. فالزعيم الدرزي فقد موقعاً وطنياً كبيراً كان قد تربّع عليه عام 2005 وخسره يوم قرر الانحراف عن الخطّ الاستقلالي في آب 2009. وهو لن يستسيغ رؤية سمير جعجع يصبح بطلاً بنظر شرائح كبيرة في الشباب المسلم، والذي وصلت بعض تداعياته الى داخل طائفة جنبلاط نفسها، التي لها ثأرٌ قديمٌ مع نظام البعث والتي وجدت في كلام جعجع ما يعبر عن كلام ما عادوا باستطاعتهم قوله والتعبير عنه منذ خروج زعيمهم من الاجماع الوطني الذي كان قد قال عنه في أحد لقاءات البريستول في صيف 2004 "من يخرج من هذا الجمع الوطني الكبير ينتهي".
أما الردّ الاقسى فقد جاء على لسان أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله في ذكرى شهداء الحزب القادة. فهو هاجم رئيس حزب "القوات" بصفته الشخصية مثله مثل منسق الامانة العامة لـ"14 آذار" فارس سعيد على خلفية تلاوته للرسالة التي وجهها المجلس الوطني السوري الى قوى "14 آذار". فنصرالله الذي خرج عن طوره وواجه ما صدر عن لقاء البيال بنعت قادته واتهامهم بأنهم وراء تسعير القتال والتحريض الطائفي ومدّ المعارضة بالمال والسلاح، وهو الذي يدرك تماماً بفضل معلوماته الصادرة عن أجهزته المنتشرة على كل الارض اللبنانية وجزء من الارض السورية، أنّه لهذه القوى مال أو سلاح لتسدّ حاجتها الداخلية، فكيف بالحري لمدّ المعارضة السورية بها.
فنصرالله اعتبر أنه أمّن اجماعاً شاملاً من كل الطوائف في مواجهة الثورة، ونظّر بها أتباعه من المسيحيين تحت شعار "تحالف الاقليات"، وذلك لنزع الشرعية عن أي محاولة من المعارضة السورية للاطاحة بنظام الاسد، وأمّن لمشروعه غطاءً جزئياً لا سيما عندما شذّت بعض الاصوات الكنسية التي أعطت مبررات للأسد. الا ان موقف جعجع المتصلّب الذي أعاد زعامة مسيحية وطنية الى واجهة الحدث أربكت نصرالله الذي يحاول أن يكون "راعي الاقليات".
والنتيجة هي أنه بعد ان أعلن ميشال عون عن دعمه للنظام السوري بصفته رئيس أكبر تكتل وزاري ونيابي مسيحي واضعاً بذلك المسيحيين بمواجهة الثورة وبمأزق في العلاقة المستقبلية بين سوريا والمسيحيين وبالتالي بين المسيحيين والاجماع العربي يبدو كلام سمير جعجع ضامناً لعلاقة مستقبلية بين المسيحيين ومحيطهم وبين المسيحيين والسوريين الذين باتت تجمعهم ملاحم في الشهادة من أجل الحرية على يد نظام بات وجوده مرهوناً بعامل الوقت.