أحد مدخل الصّوم الكبير: آية عرس قانا الجليل
قراءَةٌ من سفرِ الأَمثال (23/19-35)
إِسمع يا بُنيَّ وكنْ حكيمًا، وأَرشدْ قلبَكَ في الطَّريق. لا تكنْ بينَ الشِّرِّيبينَ للخَمرِ، والمُلتَهِمينَ للَّحم، فإِنَّ الشِّرِّيبَ والمُلتهِمَ يفتَقِرَان، والنَّؤُومَ يلبسُ الخرَق.إِسمعْ لأَبيكَ الَّذي ولَدَك، ولا تستَهِنْ بأُمِّكَ إِذا شاختْ. إِشتّرِ الحقَّ ولا تبِعْهُ، وكذا الحكمَةَ والتَّأْديبَ والفطنَة. أَبُو الصِّديقِ يبتَهِجُ ٱبتهاجًا، ووالدُ الحكيمِ يفرَحُ بهِ. فليَفرَحْ أَبوكَ وأُمُّكَ، ولتَبْتَهِجْ والدَتُكَ. يا بُنيَّ أَعطِيني قلبَك، ولتَرْعَ عينَاكَ طُرُقي. فإِنَّ الزَّانيةَ حفرةٌ عميقَة، والغريبَةَ بئرٌ ضيِّقَة. وأَيضًا هي كلصٍّ تكمُنُ، وتُكثِرُ الغادرينَ في الأَنام. لمنِ الويل؟ لمنِ الشَّقاء؟ لمنِ المُنازعات؟ لمنِ الشَّكوى؟ لمنِ الجراحاتُ عن غيرِ عِلَّة؟ لمنْ إِظلامُ العينين؟ للَّذينَ يُدمِنونَ الخَمر، للَّذينَ يدخُلُونَ ليذوقوا الممزُوج. لا تنظُرْ إِلى الخَمرِ إِذا ٱحمَرَّتْ، وأَبْدَتْ في الكأْسِ حَبَبَها. إِنَّها تسُوغُ مريئةً، لٰكنَّها في الآخرِ تلسَعُ كٱلحيَّة، وتَبُثُّ سُمَّهَا كٱلأَرقَم. تنظُرُ عينَاكَ الغرائب، ويَنطِقُ قلبُكَ بٱلفواحش، وتكونُ كمُضجِعٍ في قلبِ البَحر، أَو كنائِمٍ على رأْسِ السَّاريَة. وتقول: ضربوني ولم أَتوجَّعْ، رضَّضُوني ولم أَشعُر. متَى أَستيقِظُ فأَعودَ إِلى التِماسِهَا؟
الرّسالة: روم 14: 14-23
14 وإنّي عالمٌ وواثقٌ في الربِّ يسوع، أنّ لا شيءَ نجسٌ في ذاته، إلّا لمن يحسبهُ نجسًا، فلهُ يكونُ نجسًا.
15 فإِن كنتَ من أجلِ الطّعامِ تُحزنُ أخاك، فلا تكونُ سالكًا في المحبّة. فلا تُهلكْ بطعامكَ ذَاكَ الَّذي ماتَ المسيحُ من أجله!
16 إذًا فلا تسمحوا بأن يصيرَ الخيرُ فيكم سببًا للتّجديف.
17 فليسَ ملكوتُ الله أكلًا وشربًا، بل برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الرّوحِ القدس
18 فمن يخدمُ المسيحَ هٰكذا فهو مرضيٌّ لدى الله، ومقبولٌ لدى النّاس.
19 فلنسعَ إذًا إلى ما هو للسّلام، وما هو لبُنيانِ بعضنا بعضًا.
20 فلا تنقُضْ عملَ الله من أجلِ الطّعام، لأنّ كلّ شيءٍ طاهر، ولٰكنّه ينقلبُ شرًّا على الإنسانِ الَّذي يأكلُ ويكونُ سببَ عثرةٍ لأخيه.
21 فخيرٌ لكَ أن لا تأكلَ لحمًا، ولا تشربَ خمرًا، ولا تتناولَ شيئًا يكونُ سببَ عثرةٍ لأخيك
22 وٱحتفظ برأيكَ لنفسكَ أمام الله. وطوبى لمن لا يدينَ نفسهُ في ما يقرّرهُ!
23 أمّا المرتابُ في قرارهِ، فإن أكلَ يُدان، لأنّ عملهُ غيرُ صادر عن يقينٍ وإيمان. وكلّ عملٍ لا يصدرُ عن يقينٍ وإيمانٍ فهو خطيئة.
شرح آيات الرّسالة:
14 رسل 10/15؛ متّى 15/11؛ 1 قور 10/23؛ لو 11/41؛ طي 1/15؛ 1 طيم 4/4؛ روم 14/20.
في الرّبّ يسوع: قد يُشير بولس هنا إلى كلمة للرّبّ يسوع، في الطّاهر والنّجس، وهو موضوع يعالجه بولس الآن (14/13-23)، وقد عالجه يسوع نفسه (مر 7/15-23؛ لو 6/4). والآية 14 جملة ٱعتراضيّة تفصل الآيتين 13 و 15.
15 1 قور 8/9-13؛ 13/1.
16 طي 2/5.
الخير فيكم: في المجلّد الغربيّ، وفي مخطوطات كبرى قديمة "صلاحنا". يُثبت بولس هنا مبدأ الحرّيّة المسيحيّة (روم6/15)، الّتي قد يُسيء "الأقوياء" ٱستعمالها بتصرّف أنانيّ غير مسؤول، لا يراعي المحبّة الأخويّة، فيقلبون الصّلاح تجديفًا.
17 1 قور 8/8؛ غل 5/22؛ 1 تس 1/6.
18 روم 12/17، 18.
لدى النّاس: يهتمّ بولس في أن يعيش المؤمن، خادم المسيح، في تناغم وسلام مع إخوته، ومع جميع النّاس (12/17-18). يظهر همّ بولس هٰذا خصوصًا في رسائله الرّعويّة إلى تلميذيه طيموتاوس وطيطس.
19 روم 12/18؛ 15/2؛ 1 قور 7/15؛ 14/26؛ أف 4/12-16.
ما هو لبنيان: لا يقصد بولس المثل الصّالح فحسب، بل اسهام في بناء الجماعة المسيحيّة، الكنسيّة، جسد المسيح السّرّيّ، بكل ما أوتي المؤمن من مواهب (روم 15/2؛ 1 قور 3/9؛ 14/5، 12، 26؛ 2 قور 13/10؛ أف 2/21؛ 4/12، 16، 29؛ 1 تس 5/11.
20 طي 1/15.
عمل الله: هو الأخ الضّعيف نفسه (14/15)، أو بٱلأحرى الجماعة المسيحيّة كلّها (1 قور 3/9).
عثرة: تفرض المحبّة الأخويّة المسيحيّة على "القويّ" في الجماعة أن يتخلّى أحيانًا عن ٱستعمال حقّه (14/16)، تحاشيًا للعثرة، وحفاظًا على أخيه "الضّعيف" (1 قور 8/13).
21 1 قور 8/13.
22 1 قور 10/25-27؛ 11/31.
إحفظ ما لك من إيمان: هٰذه العبارة "إحفظ ما لك من إيمان" موجودة فقط في ترجمة الكسليك. يوافق عليها المجلّد الغربيّ، ومخطوطات قديمة أخرى "ألك إيمان؟ فٱحفظه". في هٰذه الآية والتّالية، يشمل بولس "الأقوياء" و "الضّعفاء" في مبدأ واحد، على حدّ سواء: ليتصرّف كلّ مؤمن مع أخيه وفق ضميره الشّخصيّ، مستنيرًا بٱلإيمان الواحد.
طوبى: مثل فريد على "الطّوبى" في رسائل بولس. أمّا (روم 4/7-8) فهو ٱستشهاد من العهد القديم.
24 1 قور 8/7؛ يع 4/17.
تضيف مخططات كبرى قديمة 16/25-27، هنا فقط، ويضيفها المجلّد الإسكندريّ هنا وبعد 16/23، أمّا البرديّ 46 فيضيفها بعد 15/33 فقط. أنظر 15/33؛ 16/25.
الإنجيل: يو 2: 1-11
آية الخمر
1 وفي اليوم الثّالث، كان عرسٌ في قانا الجليل، وكانت أمُّ يسوع هناك
2 ودُعيَ أيضًا يسوع وتلاميذهُ إلى العُرْس
3 ونفَدَ الخمر، فقالت ليسوع أمُّهُ: "ليسَ لديهم خَمر"
4 فقال لها يسوع: "ما لي ولكِ، يا ٱمرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد!"
5 فقالت أمّهُ للخدم: "مَهما يقُل لكم فٱفعلوه!"
6 وكان هناك ستّة أجرانٍ من حجر، مُعدّة لِتطهير اليهود، يَسَع كلٌّ منها من ثمانين إلى مئةٍ وعشرين ليترًا،
7 فقال يسوع للخدَم: "إملأوا الأجران ماءً". فملأوها إلى فوق.
8 قال لهم: "إستَقوا الآن، وقدِّموا لرئيس الوليمة". فقدَّموا.
9 وذاقَ الرئيسُ الماءَ، الَّذي صار خمرًا، وكان لا يعلمُ من أينَ هو، والخدمُ الَّذين ٱستَقَوا يعلمون، فدَعَا إليه العريس
10 وقال له: "كلُّ إنسانٍ يُقدِّمُ الخمرَ الجيِّدَ أوّلًا، حتَّى إذا سَكِرَ المدَعوّون، يُقدِّمُ الأقلَّ جودة، أمّا أنتَ فقد أبقيتَ الخمرَ الجيّدَ إلى الآن!".
11 تلك كانت أولى آياتِ يسوع، صنعها في قانا الجليل، فأظهرَ مجدَهُ، وآمنَ به تلاميذُهُ.
شرح آيات الإنجيل:
1-21 آيتان: آية الخمر (1-11)، وآية الهيكل (13-22) لوحتان رائعتان في إنجيل يوحنّا: يعلن الإنجيليّ في الأولى سرّ يسوع مسيحًا، وفي الثّانية يعلنه ٱبنًا لله. وسنرى، في الفصلين الثّالث والرّابع، ثلاثة أمثلة على الإيمان بيسوع مسيحًا، ٱبنًا لله: إيمانِ يهوديّ (3/1-21)، وإيمانِ سامريّة (4/1-42)، وإيمانِ وثنيّ (4/43-54)
1 يو 4/46؛ 21/2.
في اليوم الثّالث: هو الثّالث بعد لقاء يسوع ونتنائيل (1/43-45)، والسّابع بعد شهادة المعمدان (1/19، 29، 35، 43): في اليوم السّابع ٱنتهى الخلق (تك 2/1-3)، وفي اليوم السّابع ٱنتهى الأسبوع الأوّل من بشارة يسوع، فكانت آية الخمر، آية خلق جديد بها أظهر يسوع مجده، وآمن به تلاميذه (2/11). وسيكتمل هٰذا المجد بٱلقيامة (17/5)، في اليوم الثّالث. واليوم الثّالث، في الكنيسة الأولى، تعبير خاصّ بقيامة الرّبّ يسوع من بين الأموات (1 قور 15/4؛ متّى 16/21؛ لو 24/7، 46؛ رسل 10/40).
قانا الجليل: أين تقع؟ أتكون خربة قانا الحاليّة، الواقعة على 15 كلم شماليّ النّاصرة؟ أم كفرقنّا، الواقعة ما بين النّاصرة وبحيرة طبريّة؟ أم قانا، الواقعة على بعد 12 كلم جنوبيّ شرقيّ صور في لبنان، كما ورد لدى المؤرّخ أوسابيوس في كتابه "أسماء الأعلام"؟ الموضوع ما زال في حاجة إلى دراسة علميّة.
أمّ يسوع: لا تظهر مريم العذراء، في إنجيل يوحنّا، سوى مرّتين: في عرس قانا الجليل، ولدى الصّليب (19/25-27)، في بدء رسالة يسوع، وفي نهايتها.
2 وتلاميذه: يقرأ فم الذّهب وأبيفانيوس"وأخوته"، بدل "وتلاميذه"، ويرى شرّاح أنّها القراءة الأصل، ويهملون لذٰلك "وتلاميذه" في الآية 12، ويعلّلون التّبديل والزّيادة بورود التّلاميذ في الآية 11.
4 يو 19/26؛ 1 مل 17/18؛ مر 1/24؛ يو 7/30؛ 8/20.
ما لي ولك: تعبير مألوف في العهد القديم، ويأتي بمعنيَين الأوَّل عتاب ولَوم شديد على أذى أو عداء: ماذا فعلتُ أنا حتَّى فعلتَ بي هٰكذا؟ (قض 11/12؛ 2 أخ 35/21؛ 1 مل 17/18)، وبهٰذا المعنى ورد في (مر 1/24؛ 5/7). والثّاني تَبرّؤ من صلة: ليس ما يجمعنا، ولا صلة لك بي (هو 14/9؛ 2 مل 3/13). وهٰذا المعنى أقرب إلى وضع يسوع وأمّه: ليس لمريم أن تقرّر ساعة الآية، وتتدخّل في شؤون يسوع، بل الله الآب هو وحده من يقرّر (12/27). ويتّضح هٰذا المعنى إذا ما ٱتّضح معنى: "ما حانت ساعتي".
يا ٱمرأة: ليست تسمية عاديّة من ٱبن لأمّه، ولٰكنّ يسوع يستعملها مع أمّه هنا، وفي (19/26)، ومع غيرها من النّساء (4/21؛ 8/10؛ 20/13، 15؛ متّى 15/28؛ لو 13/12): يسمو يسوع على صلة القُربى الجسديّة ليجعل من أمّه ٱمرأة العهد الجديد وباب النّعمة، على ما يرى يوحنّا هنا، وفي (19/26).
لم تأتي ساعتي بعد!: للعبارة اليونانيّة، على ما يرى شرّاح، ترجمتان: الأولى "ما حانت ساعتي"، وكأنّ يسوع يرفض التّدخّل في شأن الخمر النّافد. والثّانية "أما حانت ساعتي؟"، والجواب أنّ يسوع مستعدّ للتّدخّل، قبل طلب أمّه، لأنّ ساعة إعلان مجده قد أتت.
ساعتي: ساعة ظهور مجد يسوع في موته وقيامته (7/30؛ 8/20؛ 12/23، 27؛ 13/1؛ 17/1)، وساعة ظهور مجد يسوع في آياته، وهو مجد سابق لمجد قيامته.
5 تك 41/55.
مهما يقل لكم فٱفعلوه: تُردّد أمّ يسوع ما قاله فرعون للمصريّين، يوم ٱفتقروا إلى الحنطة: "ٱمضوا إلى يوسف، ومهما يقل لكم فٱفعلوا" (تك 41/55). ويوسف قيّم فرعون ملك مصر، رمز يسوع الملك الأعظم.
6 مر 7/3-4؛ يو 3/25.
من ثمانين إلى مئة وعشرين ليترًا: حرفيًّا "مِترتَين أو ثلاثًا"، "ومترة" كلمة يونانيّة تدلّ على كيل يسع نحو 40 ليترًا. إنّ هٰذا الفيض من الخمر يفوق الحاجة في نهاية وليمة، ولٰكنّه دفق البركة والأفراح على يدي يسوع، المسيح والمخلّص. وعدد الأجران السّتّة عدد ناقص (7-1=6)، فيسوع صيّر النّاقص تامّا. وتحويل ماء التّطهّر خمرًا جيدًا رمز تحويل العهد القديم إلى عهد جديد، وأفضل بما لا يُقاس.
9 والخدم الَّذين ٱستقوا يعلمون: يرمز الخدم هنا إلى الرّسل خدّام الكلمة، والمسؤولين عن التّعليم الرّسوليّ ٱلحقّ (لو 1/2؛ رسل 6/2-4)، وترمز الخمرة إلى هٰذا التّعليم.
10 لو 5/37-39؛ متّى 26/29.
أبقيت الخمر الجيّد: رئيس الوليمة يسأل العريس، ولا يدري أنّ يسوع هو الَّذي قدّم الخمرة. خمرة يسوع الجيّدة فاقت خمور الأنبياء، أي تعليم يسوع فاق تعليم الأنبياء. وخمرة الآية ترمز أيضًا إلى خمرة الإفخرستيّا، إلى دم المسيح السّرّيّ، كما ترمز آية الهيكل (2/21) إلى جسد المسيح الطّبيعيّ، وإلى جسده السّرّيّ، خبز الإفخرستيّا.
12 يو 4/54؛ 12/37؛ 20/30-31؛ لو 9/32؛ يو 1/14، 50؛ 11/40؛ خر 4/30-31.
أولى آيات: حرفيًّا "بدء آيات".
المجد والإيمان: يسوع محور الوليمة وأشخاصها، محور الأمّ والإخوة والتّلاميذ والخدم ورئيس الوليمة، والعريس والمدعوّين. والإنجيليّ يعبّر عن معنى آية الخمر: بها أظهر يسوع مجد الله الكامن فيه، وهو مخلّص شعبه، ودفق الخير والهناء، على ما أنبأ به العهد القديم، وجرى على أيدي إيليّا وإليشاع (1 مل 17/7-24؛ 2 مل 4/1-37)، وبها دفع يسوع تلاميذه إلى الإيمان به.
آيات: يدعو الإنجيليّ الرّابع معجزات يسوع آيات تقود إلى الإيمان بيسوع، كما يدعو سفر الخروج معجزات موسى آيات (4/1-9)، ليثبت أنّ يسوع هو موسى العهد الجديد.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.