قبرص الشمالية من قنوبين إلى كور وصولاً إلى شامات وقرطبا …إذن العبور إليها ورقة ثمن إضاعتها العيش في فيلم “الحدود”


كتب حبيب شلوق في صحيفة "النهار":

بين "بِشارة الراعي" عبر الـ "تيلي لوميار" ودمعة الراعي عبر "النهار" من أسوماتوس (شامات)، علاقة قد تكون أكثر حميمية من أي بشارة أو أي رعاية أو أي دمعة أو أي علاقة، لأن دمعة الراعي غير أي دمعة ، واي دمعة غير أي بشارة، لأن البشارة غالباً ما تكون فرحاً فيما الدمعة حزناً وحزناً وحزناً.

إميلي بارتيلا قصة بشارة وفرح وحزن. ولكن فيها رجاء وأمل!

وثمة بون شاسع بين قبرص اليونانية وقبرص التركية ، و"موارنة الراعي" هنا وهناك، وشتان ما بين المشاركة في الحكم والرضوخ للإحتلال.

وبين قبرص اليونانية وقبرص التركية كانت رحلة من "البيت الوالدي" الى "البيت بالإيجار"، بل من حضن الأم الى حضن المربية!

وولوج المعبر بين "القبرصين" مسألة تذكّر بمعبر المتحف – البربير أو سن الفيل – النبعة أو المدفون أو الكفاءات الى المطار.

والقصة من أوّلها. الساعة السابعة صباح السبت 11 شباط 2012 كان الإنطلاق نحو "الأرض المحتلة". توقف أول مع توتر واضح على خط التماس حيث تستقبلك "الجمهورية القبرصية التركية"، وفي تلة مقابلة علم تركي ضخم مماثل لعلم على الحدود مع أرمينيا ، و"العلاقة" التركية – الأرمينية مماثلة للعلاقة التركية ـ المارونية القبرصية،والعلاقتان تنتظران حلاً.

مساحة قبرص نحو 8900 كيلومتر مربع نحو 40 في المئة منها أصبحت تحت السيطرة التركية منذ حرب 1974، و60 في المئة يحكمه قبارصة يونانيون، وفي الأولى قواعد عسكرية تركية وفي الثانية قواعد عسكرية بريطانية. ويصل عدد سكان "القبرصين" الى نحو مليون وخمسين ألفاً، 77 في المئة منهم قبارصة (يونانيون) و18 في المئة أتراك، و1في المئة موارنة و1 في المئة لاتين و1في المئة أرمن. وفي قبرص الشمالية (التركية) 100 ألف قبرصي و200 ألف تركي، و20 ألف جندي تركي ومطار بطيء الحركة يقتصر عمله بين هذه "الجمهورية" واسطنبول وعملتها الليرة التركية. أما قبرص اليونانية المعترف بها دولياً فمطارها نشيط وعملتها الأورو، وزيارتها يمكن أن تكون بواسطة تأشيرة "شنغن".

وفي عودة الى الرحلة. تتوقف على الحاجز القريب من كنيسة سيدة النعم المارونية على خطوط التماس في نيقوسيا "الحالمة" بالعودة، تملأ ورقة بالإسم ورقم جواز السفر والجنسية وتنتظر لتسليم الجواز وتسلم بطاقة إذا أضعتها لا يمكنك استعادة الجواز وتصبح كما في فيلم "الحدود" لدريد لحام… لا هنا ولا هناك، وبين تسليم جواز السفر وتسلّم الورقة المعتمدة تأشيرة دخول، تنظر حولك بعد أن تلبي طلب عناصر الحاجز ترك آلات التصويـر والهـواتف الخليوية في السيارة والإنتـقال الى سيارة تركـية موضوعة "في الخدمة". والإنتقال مراقب على الأرض وعلى التلال المجاورة، وفي الباص سائق لا يتكلم لتدرك لغته وهل هي تركية أم يونانية أم الإثنتان معاً أم متعدد اللغة!

وقبل أن تغـــادر مع السائق الصامت، محيياً الجنرال كميل بازار الموضوعة صخرة على اسمه ـ ربما لمزيد من "الوهرة"ـ تنطلق الى بلدة أيا مارينا (القديسة مـــارينا) المارونية المهجّرة ـ وما حدا أحسن من حدا ـ وعلى الطريق، يطــل عليك دير مـــار الياس الذي قصفه الطيران التــركي خلال حرب 1974 – وفق مرافق الوفد الإعلامي أنطوني سكولوت وهو ماروني ويشغل منصب مدير لفرع قبرص في شركة كومبيوتر عالمية وأخذ إجازة ليكون مشاركاً فاعلاً في تنظيم "أيام مار مارون" واستقبال رأس الكنيسة – وقصف الدير المترامي المساحة كان كفيلاً بتهجير 650 مارونياً في البلدة وترك المنازل تنتظر أولادها 38 عاماً – حتى الآن ـ ودير القديس باسيليوس الذي "استوطنه" الجيش وفر جيرانه الموارنة الذين أتوا في القرن التاسع، بعد تعرضهم لذبـح وتهجير، علماً أن عددهم كان قبل 200 عام 100 الف، وتوزعوا في كل أنحاء الجزيرة وبعضهم تعرض لضغط واعتنق الإسلام والبعض الآخر اعتنق الأرثوذكسية الديانة الشقيقة.

وفي الطريق أيضاً جبل بنتا فاكتيلوس مع كنيستيه مار رومانوس ومار أنطونيوس المقفرتين، ثم كنيسة القديسة مارينا الآتية راهبة من قنوبين شفيعة البلدة الحاملة إسمها، ويدعوك أحد مرافقي الوفد أنطونيو نينوس القبرصي الماروني الى "شرب القهوة في بيتي" المواجه للكنيسة. وهو منزل مهجور منذ الحرب كما غيره العشرات وقالها نينوس من قبيل التحسّر.

وأمام لافتة كتب فيها "أهلاً الى كنيستكم" رفعت على مدخل الكنيسة، تحدّث مسؤول العلاقات الخارجية في لجنة العودة الى أيا مارينا ايلي عيد عن المفاوضات والإتصالات التي أجراها مع اللجنة ورئيسها أنطونيوس ميلاس بالتنسيق مع راعي الأبرشية المطران يوسف سويف، والتحضيرات "لنقدّس في أيا مارينا" للمرة الأولى منذ 37 عاماً، مشيراً الى أن الكنيسة استعملت مرأباً للآليات التركية ولم يُدقّ فيها مسمار منذ ذلك الزمان.

وتحت هذه اللافتة "ملتقى تبادل قبل" بين أبناء البلدة العائدين ولو لساعات الى البيت، نثرت أزهار وأغصان ريحان خنقت رائحتها رائحة منبعثة من مراحيض أحدثت في الباحة المقابلة المسيّجة بشريط أمني، شبيهة الى حد بعيد بالغرف العازلة في الباحات العامة أيام الإنتخابات في القرى المقاطعة للإنتخابات زمن السلطة السورية في لبنان، مع فارق بسيط هو أن صناديق الإقتراع الخشب تحولت حفرة في التراب لـ "الإدلاء" بـإفرازات أجسام مرهقة معانية على طريق طويل، من دون أن ينسى "رواد" المرحاض "النموذجي" أن عليهم غرف كمية تراب من "سطل" على الباب ورميه فوق "الحثالات" إتقاءً لتوالد الميكروبات.

وصحيح أن التصوير كان ممنوعاً منعاً باتاً، وأن صوراً يتيمة تسللت من عدسات زملاء وتمكنت من نقل ما كان هناك،إلا ان عدسات مصورين كثر نشطت من على "التريبون" ومن أمام الكنيسة وأطرافها لنقل "المشهد"، بالتنسيق مع عشرات من المدنيين من غير أهل البيت كانوا "من أهل البيت" في كل مكان!

و تغادر أيا مارينا مع أهلها العائدين اليها بمواكبة الراعي، للعودة الى نيقوسيا وجوارها أو الى كوتشاكي، وماركي (المرج) حيث قدمت الدولة القبرصية قطعة أرض لبناء كنيسة على اسم بلدتهم أيا مارينا وبناء تجمعات سكنية لأبناء المهجرين من شبابها. وفي الطريق الى أسوماتوس (بلدة الآتين من بلدة شامات – قضاء جبيل) تنظر الى الوراء مستطلعاً البيوت المهجورة ومواكباً بعض أبناء البلدة المستفيدين من زيارة البطريرك لحمل ما في ديارهم من منتجات طبيعة مثل الهندباء البرية والبقلة والسعتر وغيرها وبيعها في المدينة.

أسوماتوس

وتصل الى أسوماتوس البلدة المميزة التي لا مجال لالتقاط الصور فيها لأنها كما أيا مارينا مركز عسكري، وخط الدفاع الأول والأخير فيها إميلي بارتيلا، المرأة الثمانينية الصامدة الوحيدة في البلدة التي كانت تضم 1200 نسمة قبل حرب 1974.

إميلي المارونية القبرصية تعيش وحيدة، وأبناؤها السبعة المقيمون في نيقوسيا لا يزورونها لأن زيارتهم ممنوعة وهي تطمئن اليهم وتطمئنهم اليها عبر "وسائلها الخاصة" التي لا تكشف عنها، وتتحدث عن ابنها الثامن المتوفى وتدمع عيناها، ثم تنظر الى البطريرك مقدرة زيارته لها في منزلها بعد القداس في كنيسة مار ميخائيل الذي كانت هي نجمته ودمعة البطريرك سمته، وتقدم اليه هدية من عمل يدوي لزوجها المتوفى هي ثمرة"قرع" مزخرفة تركها وتلقفتها وأنست بها في غيابه الأبدي.

وككل أبناء القرى تصر إميلي على "ضيافة بيتها" وتتسارع تنقلاتها في منزلها المتواضع لإحضار الضيافة المصنوعة كلها من أرضها، ويحرص الجميع على عدم "تسفيه" إميلي التي بدت "ست بيت" ورباً له واولاداً في آن واحد.
وتتحدث إميلي عن المعاناة وعما رأته من عنف في الحرب وتمسح عينيها وهي تتكلّم عن أعمال ذبح وتهجير، ثم تأخذ نفساً طويلاً لتقول إن الجيش التركي سمح للأهالي بأن يزوروا البلدة مرة في الشهر لحضور القداس وتمضية بعض الوقت فيها. وأملها كبير في تمكن البطريرك من ارجاع أبناء البلدة اليها "بشفاعة مار مارون ومار شربل والمسيح".

كارباشا

ومن أسوماتوس الى كارباشا (قرطبا) وصولاً الى كنيسة الصليب المقدس التي تم ترميمها عام 2004 في اشراف المهندس يوسف حاجي يوسف بتمويل من أبناء البلدة ودعم من الرعايا المارونية في نيقوسيا، وهي كنيسة تجمع أبناءها كل احد للصلاة والتلاقي والتسامر مع اهلهم الـ20 الذين لايزالون يعيشون فيها. وفي الكنيسة كانت صلاة عقبها غداء "من حواضر البيت"مع أهل البلدة.

كور ماجيتي

وكور ماجيتي هي القصة.

جاؤوا من كور في البترون خلال الحروب المتوالية على لبنان ونزلوا في بلدة جميلة للغاية تمتد ارضها الى البحر للجهة الشمالية الشرقية للجزيرة. تجمع الوافدون الى البلدة ذات مساء ونظروا الى الغسق في شوق معددين أسماء ابناء البلدة الوافدين ولم يجدوا باقياً فيها إلاّ قلة فسألوا "كلنا جينا، ليش كور ماجيتي؟".

وتكرّر السؤال وتكرَر . ثم علق على الألسن والتصق بالأرض وإذا بالمكان الجديد كورماجيتي. وكان الإسم.

وكور ماجيتي البلدة المارونية الأكبر في قبرص، يعيش فيها اليوم 120 مارونياً من أصل 2000، لكن العدد يرتفع كثيراً في "الويك أند"، وتبدو البلدة جميلة للغاية والمنازل الجديدة فيها قمة في الذوق وأهلها مضيافون، وسهولها المترامية غنية بأشجار الزيتون والخروب، اما الزراعة الأبرز فهي القمح مأكل الإنسان والشعير مأكل الماشية وهي كثيرة.

والزياح انطلق حاشداً جداً من مدخل البلدة تتقدمه الأخويات والنوادي مسافة طويلة على طريق نثرت عليها أغصان ريحان وزيتون، حتى الساحة حيث رفع البطريرك الستار عن نصب "الشهداء الموارنة"وهو من أعمال النحات نبيل بصبوص، وساهم في تحضير العمل عدد من أبناء الجالية ولبنانيون منهم رامي الشدياق الذي رافق الوفد البطريركي.

وعلى وقع الأناشيد الدينية وصدى قرع أجراس يتردد من بعيد، تابع الزياح سيره مخترقاً شوارع وطرقاً داخلية بين منازل تخالها ليست غريبة عن الذوق اللبناني وكثير منها أخضع لترميم و"عمليات تجميل"، ومثلها كنيسة مار جرجس التي تتسع لنحو500 مصلٍ مع باحاتها الواسعة المطلة على البحر.

وأنت تغادر كورماجيتي تبدو واثقاً من أن ثمة عودة، لأن في البلدة حياة وفيها مختار أو ما يعتبر رئيس بلدية هو الياس كاتشولوزيس، وفيها "بصمات" الإتحاد الأوروبي العامل بالتنسيق مع الـ Maronite welfare ) "المؤسسة المارونية للإنعاش والإنماء")، وتبقى مسألة العودة النهائية معلّقة ومثلها مسألة توحيد قبرص، والمسألتان سياسيتان تقررهما اتفاقات دولية، والأمل كبير في الإتصالات البطريركية منذ أعوام على كل المستويات الدولية وصولاً الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون وقبله كوفي أنان.

تترك المنطقة حاملاً كثيراً من الذكريات التي لا تمحوها الأيام وخصوصاً إذا مررت يوماً بمنطقة البترون أو جبيل أو بشري وزرت كور أو شامات أو قرطبا أو قنوبين، البلدات الأم لكور ماجيتي وأسوماتوس وكارباشا وأيا مارينا.
وفي طريق العودة، ولدى عبور "البوابة" الرئيسية، تسلّم البطاقة لتستعيد جواز السفر لتعود به الى الجمهورية "الدولية"، وتبقى معك "تأشيرة الدخول" الورقية المعتمدة من دولة لاتعترف بها الدول، تذكاراً عن أن حاملها مرّ من هناك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل