
لم ينجح الأبيض الناصع الذي لامس الساحل مع زخات الثلج في اطفاء الحماوة السياسية البالغة الحدّة التي دهمت البلاد مع المنازلة الدائرة بين "14 آذار" و"حزب الله"، غداة خطاب "المنتصر" للمعارضة في مهرجان "البيال" في 14 شباط، والرد العاصف للأمين العام للحزب حسن نصرالله في 16 منه.
وتدور الهجمات السياسية المتبادلة على محاور الموقف من الوضع في سوريا وأخطار الفتنة في لبنان ومصير سلاح "حزب الله" والحوار الوطني والمحكمة الدولية وعموم القضايا المطروحة على خط تشابك الأزمتين في لبنان وسوريا.
وفيما كانت المعركة السياسية تُفتح على مصراعيْها بين قوى 14 و8 آذار منذرة بمرحلة من "عضّ الأصابع" تلاقي انفلات الوضع في سوريا التي باتت ساحة صراع دولي بامتياز، استوقف الدوائر السياسية سكب فريق الاكثرية مياهاً باردة على الأزمة الحكومية التي جمّدت عمل مجلس الوزراء وعلّقت جلساته وحوّلت مكوّنات الحكومة معسكرات تخوض في ما بينها صراع أحجام ونفوذ.
واذا كان اللقاء الجيّد والمريح الذي جمع يوم الجمعة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس "التيار الوطني الحر" ميشال عون شكّل اول مؤشر الى ان العد العكسي لانتهاء الأزمة الوزارية قد بدأ وان ما يفصل عن الصلح الحكومي هو البحث عن مخرج على طريقة لا غالب ولا مغلوب، فإن أوساطاً مراقبة لاحظت ان إدارة بري محركات وساطته بين عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي جاء بعد يومين على مرور استحقاق التمديد الضمني للمحكمة الخاصة بلبنان بصمت وبلا أيّ أصوات اعتراض حتى من "حزب الله" الذي كان لوّح غداة تجرُّعه كأس التمويل بأن التجديد للمحكمة لن يمرّ وانه يكمن لها من هذا الباب ليلاقي رفضه المبدئي لها باعتبرها اميركية – اسرائيلية.
وبحسب هذه الاوساط، ووسط معلومات عن ان مفعول التجديد للمحكمة بدأ بالسريان منذ بعد ظهر الجمعة، فان الخلاف الذي كان انفجر بين ميقاتي وعون على خلفية عدم توقيع وزير العمل شربل نحاس مرسوم بدل النقل شكّل في واقع الحال ما يشبه الغطاء الناري الذي استفاد منه رئيس الحكومة لتمرير تهريبة التجديد للمحكمة وفق صيغة اخذنا العلم رداً على الرسالة التي كان بعث بها الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون الى بيروت لإبداء الرأي في مدة التجديد، وهو ما أتاح لميقاتي الحفاظ على الرصيد الايجابي دولياً الذي بدأ يراكمه منذ تمويله المحكمة.
اما "حزب الله" فأتاح له تعليق جلسات الحكومة، تفادي إرباك اي مرور للتجديد وإن من باب "اخذ العلم" في مجلس الوزراء الذي يشكّل الحزب رافعته الاساسية، وهو ما كان سيعني وضع مصير الحكومة برمّتها على المحكّ لان الحزب لم يكن في وارد السماح بمنح OK للتجديد ولا ميقاتي كان في مقدوره تحمُّل تبعات اي رأي، ولو كان لن يؤثر على مسار التجديد التلقائي، يُظهره في مواجهة مع المجتمع الدولي.
وانطلاقاً من مرور قطوع التجديد للحكمة على طريقته كأنه لم يكن لبنانياً، وبعدما استعادت قوى "14 آذار" زمام المبادرة كمعارضة نظمت صفوفها تحت عنوان الملف السوري وانعكاساته اللبنانية، جاء بديهياً اتخاذ القرار من قوى "8 آذار" باعادة ترتيب الوضع الحكومي المهتز على خطيْ العلاقة بين ميقاتي وعون من جهة وبين الاخير وبين رئيس الجمهورية ميشال سليمان من جهة أخرى.
واذا كان إصلاح ما انكسر بين رئيس الجمهورية ورئيس "التيار الوطني الحر" دونه عقبات تتصل بشدّ حبال مفتوح ومزمن حول القرار لمن في التعيينات المسيحية، فان مقتضيات الحفاظ على الحكومة بدت فاصلة في وجوب القفز فوق امكان ايجاد حل جذري لمعركة الجنرالين لمداواة الازمة الحكومية من باب موضوع مرسوم بدل النقل وإعادة العمل بالجلسات الوزارية، وهو ما شكّل محور النقاش بين بري وعون خلال لقاء الـ 90 دقيقة الذي تخللته مأدبة غداء اقامها رئيس البرلمان على شرف رئيس "التيار الوطني".
وغداة هذا اللقاء برزت مؤشرات عكست رغبة مختلف اطراف الازمة الحكومية في الخروج منها بأقل أضرار وعلى طريقة الجميع منتصرون، فالعماد عون يوحي بان الحلّ سيكون على قاعدة تأكيد الصلاحيات والشراكة، فيما فريق الرئيس ميقاتي متمسك بان المدخل يكون بتوقيع وزير العمل مرسوم بدل النقل الذي وافق عليه مجلس الوزراء تفادياً لتكريس سابقة تمرُّد وزير على قرار للمجلس.
ويذكر ان تقارير رجّحت ان تشكّل الجلسة الاشتراعية التي دعي مجلس النواب الى عقدها الاربعاء المقبل الإطار لاستيلاد مخرج ينهي مأزق امتناع نحاس عن توقيع مرسوم بدل النقل، وقد يكون من خلال دمج اقتراح قانون يعدّه النائب ابرهيم كنعان مع آخر للنائب نبيل دو فريج.