كتب المحلل السياسي في صحيفة "اللواء": نأت الاستراتيجية الاميركية للعقد المقبل بواشنطن –جزئيا – عن مستنقع الشرق الاوسط ووحوله، لتنتقل الى رحب آخر في آسيا الصفراء، حيث باتت الصين في صلب هذه الاستراتيجية، احتواء وتطويقا.
في الخامس من كانون الثاني الفائت، اعلن البنتاغون ما سماه «الدليل إلى الاستراتيجية الدفاعية» الجديدة التي ستحدد السياسة الخارجية والعسكرية – الاستراتيجية للولايات المتحدة في السنوات العشر او الاثنتي عشرة المقبلة.
حوّلت الولايات المتحدة كامل اهتمامها – بشكل غير مسبوق – نحو شرق آسيا، حيث المارد الصيني في استفاقته السياسية والاقتصادية بات الاكثر حضورا وطغيانا في العقل الاستراتيجي الاميركي. لكنها ايضا تركز على ما تعتبره ساحة المعركة العظمى التالية: الفضاء الإلكتروني. فمع انتهاء الحرب في العراق، وبدء الحرب في أفغانستان بالوصول إلى خواتيمها، تشير استراتيجية الدفاع الجديدة إلى أن الحربين المتوقعتين هما أقرب لآثار حقبة الحرب الباردة.
من الملاحظ أن استراتيجية البنتاغون العسكرية وضعت الصين وإيران في خانة واحدة، إذ ورد في الطرح الجديد أن «دولاً مثل الصين وإيران تواصل اتباع الوسائل لمواجهة غير متكافئة ضد قدراتنا». لكنها ابقت ما سماه البنتاغون «التهديدات التي تمثلها منظمات مصنفة إرهابية» ضمن الهواجس الاميركية.
ولا يخفى ان الصفة الارهابية لا تقتصر اميركيا فقط على تنظيم «القاعدة»، بل هي تشمل 43 منظمة، تسع منها تنشط في العراق وباكستان. اما «حزب الله» فلا يزال – وفق الاستراتيجية الجديدة- مثالا لمنظمة يتوجب «التيقظ لتهديداتها»، في إطار «مكافحة الإرهاب، والحرب غير النظامية»، في «المسعى لحماية المصالح القومية الأميركية».
بمعنى آخر لا يزال ما يعرف بـ «محور الممانعة والمقاومة» جزءا من الهواجس الاميركية، حتى لو استدارت واشنطن نحو شرق آسيا الاصفر، حيث الموارد البشرية غير المنتهية وعصب الاقتصاد العالمي. وليس غريبا ان تُغرِق الصحافة الاسرائيلية، في اليومين الاخيرين، السوق الاعلامية المحلية والاقليمية بعشرات من التسريبات عن استهدافات امنية تارة لبعثات ديبلوماسية وطورا لمسؤولين حكوميين وامنيين، بالتزامن مع ذكرى اغتيال عماد مغنية، في وقت تشتد الحملة الاميركية – الاسرائيلية المشتركة على ايران من بابي الملف النووي والاحداث في سوريا.
في العقل الاميركي، ثمة ارتباط مباشر وتلقائي بين النظامين في ايران وسوريا وحزب الله. فالثلاثة يشكلون محورا واحدا يعادي واشنطن وتعاديه. والثلاثة راهنا في خندق واحد في مواجهة ما يرونه حربا معلنة على سوريا ليس فقط لإسقاط النظام، بل «لاستهداف محور الممانعة والمقاومة، وخصوصا جناحه اللبناني المتمثل في «حزب الله»، اذ ان الحرب الراهنة على سوريا تستهدف فيما تستهدف قطع سبيل الامداد بين طهران وبيروت».
يقول ديبلوماسي اميركي مخضرم: «ليس هناك شك ان الإيرانيين ينظرون الى النظام السوري على انه حليف حاسم وحلقة استراتيجية في نفوذهم الاقليمي الاسلامي والعربي، ووسيلة لتوفير الأسلحة واتصال لحزب الله في لبنان. ما يحدث في سوريا أمر بالغ الأهمية لميزان القوى في المنطقة من حيث صلته ايران، حتى أن الإيرانيين يفعلون كل ما في وسعهم لدعم النظام السوري والحفاظ على استمراريته كحليف لكن ايضا كقناة وصل «رحمية» للحزب».
يضيف الديبلوماسي اياه: «ليس باليسير تحديد مدى تأثر «حزب الله» بتشظي وتقلّص نفوذ النظام السوري او سقوطه. الاكيد ان «حزب الله» يملك الوسائل المادية اللازمة لإحكام قبضته على مستقبل لبنان السياسي، فهو مترسخ ضمن فئة الشيعة اللبنانيين داخل النسيج الاجتماعي اللبناني ولا مجال لانفصاله عنه. منذ بضعة اعوام فقط، كان الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، يحظى بشعبية جارفة في الشارع العربي أكثر من أي زعيم عربي آخر. لأسباب أمنية، ابتكر نصرالله صيغة معينة لتبرير عزلته عن جمهوره الذي يعشقه (في نهاية المطاف، لم تتأذّ سمعته حين أعلن أنه أول اسم في لائحة المستهدَفين من إسرائيل). هو ظهر إلى العلن قبل فترة قصيرة لتعزيز قاعدة دعمه (…). ومع ذلك، هو يتعرض للانتقاد بسبب سكوته على إراقة دم إخوته العرب (في سوريا)».
ويتابع: «لهذه العناصر مجتمعة ولعناصر اخرى لا تزال غير معلنة او واضحة المعالم، بنى الحزب لنفسه هيكلا كبيرا بأساسات اثبتت صلابتها في الحروب الوجودية التي خاضتها اسرائيل ضده. تضرر هو، عتادا وعديدا، لكن من غير ان تتأثر قاعدته، لا بل، على سبيل المثال، زادت اللحمة حوله اثر حرب تموز وآب 2006، وتنامى نفوذه السياسي في لبنان منذ خروج الجيش السوري في اّذار 2005 اثر اغتيال الرئيس الاسبق للحكومة رفيق الحريري، الى الحد الذي بات الانطباع العام ان له الكلمة الفصل في القرار الرسمي اللبناني منذ اسقاطه بالتعاون مع حليفه زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون، حكومة سعد الحريري في كانون الثاني 2011 وتزكية السياسي الشمالي نجيب ميقاتي رئيسا لحكومة دشنت عهدا مختلفا كليا عن مرحلة العامين 2005 و2010».
ويشير الديبلوماسي الى ان الحزب اسس لنفسه «بنيانا هائلا يمكنه الاستمرار والعيش في ظل الظروف الاكثر تعقيدا وصعوبة، ومتى ندر القوت وتدنّت مصادر التمويل والدعم السياسي والمادي، لذا يبدو من غير الواقعي او المنطقي الركون الى نظرية ان زوال النظام السوري او تراجع نفوذه يعني حكما تقلص قوة «حزب الله»، ذلك ان قضية الحزب اكثر تعقيدا وتشعبا –وخصوصا لبنانياً – من قصة قطع طريق امداد. يكفي انه استطاع تطويع الظروف القاسية التي احاطت به وسط نفور ما يقارب نصف اللبنانيين، وامسك بالكثير من الاوراق التي تتيح له ابقاء يده على الحكم في المدى المنظور».