قد يكون الرئيس نبيه بري قام بـ"ضربة معلم" بتعمّده حشر الحكومة المأزومة وأطرافها المتشابكين في زاوية الجلسة الاشتراعية التي سيعقدها مجلس النواب هذا الاسبوع. ذلك ان "تحكيم" المجلس ضمناً في أزمة عجزت عن حلها السلطة الاجرائية، مهما قيل فيه اجتهاداً أو نصاً، يصب في خواتيمه في مصلحة الحفاظ على قلة بائدة من الاصول، في بيئة سياسية تمعن إمعاناً مخيفاً في تسفيه الثقافة الدستورية.
وحتى مع خشية بعض المتشككين من طغيان ضمني لـ"لنظام مجلسي" يظل تحرك بري لكسر الأزمة الحكومية أفضل من "الكوما" التي تلقي بتبعاتها على مؤسسات ومواقع دستورية وسياسية أخرى صارت برموزها أسيرة تكبير الشروط.
ومع ذلك تشكل النية الضمنية لتصفية أزمة حكومية في مجلس النواب محاذير لا يجوز القفز فوق دلالاتها أو الارتكاز إليها كسابقة أو عرف لأن من شأنها المس بمرتكزات المبدأ الجوهري القائم على الفصل بين السلطات. ومن هنا لا بد من تسليط الضوء على هذه المحاذير تبعاً لمواقف الأطراف المتشابكين.
سواء نجح الرئيس بري في نيته المضمرة أم أخفق، لكان لدعوته مجلس النواب الى جلسة مناقشة عامة لسياسة الحكومة الوقع الديموقراطي والدستوري الأقوى والأسلم من جلسة اشتراعية، إذ ان مناقشة عامة تشكل فعلاً "هزّ عصا" مشروعة لسلطة تغرق في ترف الشروط المشلّة لمصالح الناس.
بدوره رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، يعتمد مساراً سليماً ومحقاً في عدم التهاون مع "وزير متمرد" على قرار مجلس الوزراء. لكن مساره لا يبرر تعليق جلسات مجلس الوزراء أصلاً حتى لو اقتضى الأمر حشر سائر الشركاء ووضعهم عند مسؤولياتهم من داخل المؤسسة وليس من خارجها في مسألة مسلّم بها دستورياً.
والعماد ميشال عون نفسه سعى الى منطق تبريري لبقائه في السلطة بتجيير امتناعه عن فرط الحكومة لمصلحة شعار "الاستقرار". ومع ذلك فإن موقفه يرتب عليه محظور ابتداع سابقة معطلة يصعب تصور قبوله بها لو كان في موقع "رئاسي"، كما ان معركته في شأن النظام الداخلي لمجلس الوزراء ترتب في المقابل مساءلته لماذا لا يخوض معركة مماثلة لتعزيز صلاحيات رئاسة الجمهورية نفسها بمعزل عن خصومته المتصاعدة مع الرئيس ميشال سليمان؟
ولعل الركيزة الرابعة لهذه المحاذير تتصل بموقع رئاسة الجمهورية نفسها. فالرئيس سليمان أخذ منذ نشوء الأزمة بالجانب الدستوري السوي، كما حاذر التورط في صورة الطرف. ولكن تجاوز الأزمة الحدود الزمنية المعقولة والإطار الدستوري والسياسي المتصل بالنزاع يرتب على الرئيس الاضطلاع بدور لا تحده النصوص أو المناكفات والحسابات المتصادمة للأطراف السياسيين. ذلك ان حلاً يخرج من بعبدا أولاً، وحتى قبل ساحة النجمة، يستأهل بدلالاته المخاطرة بحرق الأصابع.