ظاهرة غريبة أضاءت سماء لبنان…

 

كتب الأرشمندريت د. شربل الحكيم في صحيفة “الجمهورية”:

غاص الحرديني في أسرار الله فأعطاه موهبة صنع العجائب في حياته. بعد وفاته دُعي بحقّ قدّيس كفيفان وقدّيس الحياة المشتركة. يروي شهود عيان أنّ نوراً شعَّ من المكان الذي دفن فيه. وقد تكرّرت هذه الظاهرة الغريبة مرّات عدّة في الليل. ولم يطل الأمر حتى فاحت رائحة قداسته وانتشرت في كلّ المناطق اللبنانية وتهافت الناس لزيارة ضريحه والتبرّك به وقد جرت أثناء ذلك معجزات كثيرة. لم تمضِ سنة واحدة على دفنه حتى ارتأت الرئاسة العامّة أن تفتح القبر فكانت المفاجأة إذ وجدت جثمانه سليماً…

وُلد جوزف كسّاب سنة 1808. أبوه جرجس كسّاب وأمّه مريم رعد. كان له أربعة إخوة من بينهم الياس والحبيس ليشع، الذي تنسّك في دير قزحيّا من ثمّ انتقل الى محبسة دير عنايا. كان نعمة الله، منذ حداثته تقيّاً، أرسله والده الى مدرسة الرهبان في دير حوب حيث تعلّم مبادئ القراءة والكتابة واللغة السريانية.

لمّا بلغ العشرين من عمره كانت دعوة ونداء السيّد المسيح قد ترسّخت في فكره، فتوجّه الى دير مار أنطونيوس قزحيّا ودخل اﻹبتداء، في تشرين الثاني سنة 1828 إختار اسما جديدا له فأصبح إسمه الأب نعمة الله. تعلّم في الدير تجليد الكتب وأتقنه وبرع فيه. كانت تدوم تجربة الراهب سنتين فإذا أثبت خلالهما كفايته لدخول الحياة الرهبانية تمكّن من أن ينذر نذوره ويلبس اﻹسكيم ويصبح عضواً كاملاً في الرهبانية. إنتهت سنتا تدريب نعمة الله وأبرز نذره الأوّل في 14 تشرين الثاني 1830. أُرسِل الأخ نعمة الله الى دير مار قبريانوس في كفيفان حيث مدرسة اللاهوت التي تعلّم اﻹكليريكيّين.

بعد أن أنهى دروسه الكهنوتية رُقّي الى درجة الكهنوت بوضع يد المطران سمعان زوين، النائب البطريركي، بأمر من غبطة البطريرك يوسف حبيش، في 25 كانون الأوّل سنة 1833. عيّن مدبرا ً عامّا في مجمع الرئاسة العامّة للرهبانيةً ثلاث مرّات متوالية. الى جانب تولّيه الرئاسة بقي يدرّس الأولاد في المؤسّسات الرهبانية التعليمية ويدرّس اللاهوت للإكليريكيّين، من بين تلاميذه القدّيس شربل.

كان الأب نعمة الله رجل صلاة وتقوى، وكان يتعبّد تعبّداً خاصا ً للقربان المقدّس وللبتول مريم. لم ينقطع طيلة النهار والليل عن الصلاة والتأمّل ومناجاة الله. في ساعات التجربة والارتباك كان يهرع الى الكنيسة ويسجد أمام تمثال السيّدة العذراء ويطلب منها أن تعينه.

في كانون الأوّل من عام 1858، وفي دير مار قبريانوس، تعرّض للهواء الشمالي المعروف بتأثيره الفتّاك، فمرض وأبقته الحمّى الشديدة في الفراش، وكان صامتاً شاكراً الله على ما هو عليه. الأدوية التي وصفت له لم تساعده على التقدّم، ويئس الأطبّاء من شفائه. كانت آلامه تشتدّ يوما بعد يوم وتساعد على انهياره الجسدي. تعرّض الأب نعمة الله الى ثلاث نوبات قاسية خلال عشرة أيّام وأسلم الروح في اليوم الأخير منها في منتصف ليل الثلاثاء الواقع في الرابع عشر من كانون الأوّل 1858 وكان له من العمر خمسون سنة. ساعة افتراق روحه الطاهرة عن جسده، جلس في فراشه وضمّ صورة العذراء مريم بين يديه وهو يتمتم: يا مريم، أنا أسلمك روحي، واتّكأ وأسلم روحه.

تقاطر الناس بداعي اﻹيمان ليشهدوا لهذا الحدث الخارق الطبيعة الذي يبشّر بولادة قدّيس آخر. روى أحد مرشديه، الأب روفايل بزعوني، أنّه شاهد شعاعاً من نور يخرج من فمه ساعة انفصال روحه الطاهرة عن جسده.

لم تمضِ سنة واحدة على دفنه حتى ارتأت الرئاسة العامّة أن تفتح القبر لتجمع رفاته فلا تضيع بين رفات إخوانه الرهبان الموتى. فكانت المفاجأة إذ وجدت جثمانه سليماً من الفساد لا تفوح منه أيّ رائحة كريهة. ولم يتبدّل فيه شيء. عندئذ أمر البطريرك مسعد بأن ينقل الجثمان الى تابوت خاص وأن يبقى في المدافن العامّة حيث ظلّ حتى عام 1862.

فتحت دعوى التحقيق في صحّة الأعجوبة التي شفي بها أندريه نجم، بعد أخذ بركة البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير. قُـبل الملفّ من قِبل مجمع القدّيسين في روما. أقرّت الجمعية العامّة الرومانية، بكرادلتها الأربعة والعشرين جميعاً صحّة الأعجوبة أمام قداسة البابا يوحنا بولس الثاني. وبناءً عليه تمّ التطويب في الفاتيكان على يد قداسته في 10 أيّار 1998.

بعد ستّ سنوات رفعه البابا يوحنا بولس الثاني الى درجة القداسة في 16 أيّار 2004

من عجائبه خلال حياته الأرضيّة:

ـ معرفة الغيب: نادى المسؤول عن القطيع وطلب منه أن يخرج بقرات الدير من الحارة بسرعة، وهو راكع يصلّي، وما إن أخرجها حتى سقطت الحارة كلّها.

ـ إكثار المؤونة: بعد أن عرف الأب برنردوس، رئيس دير القطارة، أنّ مؤونة الدير تكاد تفرغ، دعا الأب نعمة الله وطلب منه الدخول الى بيت المؤونة فيدرك ما يريد. وقف الحرديني في باب الغرفة وتلا صلاة قصيرة وبارك ثمّ أخذ قليلا من الماء وباركه ورشّه على الأكياس. بعد فترة أتى وكيل المؤونة ليرى ما بقي منها فوجد الأكياس قد امتلأت فأخذ يصرخ بأعلى صوته: أعجوبة، أعجوبة.

ـ عجائب حصلت بعد مماته: سنة 1891، عجز الأطبّاء عن شفاء الأب منصور عوّاد بعد إصابته، لكنّ والديه لم ييأسا بل طلبا بإيمان شفاعة الأب نعمة الله كي يخلّص ولدهم. سمع الله نداء الوالدين ومنّ على منصور بالشفاء. فكرّس منصور نفسه لله تعالى عن طريق الكهنوت وذلك شكراً له.

– أفادت مريم أنطون التي كانت تغسل في دير كفيفان بأنّها قد فقدت بصرها بكلّيته، فطلبت شفاعة القدّيس الذي استجاب لطلبها.

– ولد أندريه نجم سنة 1966 وكانت صحّته ممتازة، لكن في حزيران 1968 بدأ يشعر بهزال وانهيار أعصاب وتعذّر عليه المشي مسافة قصيرة. بعد المعاينات داخل لبنان وخارجه، أفاد الأطبّاء بفقر دم قويّ ناتج عن موت النخاع، ممّا اقتضى تأمين كمّيات كبيرة من الدم، وزرع نخاع عظمي. لكن ذلك مستحيل لأنّه ليس لديه أشقاء. يئس الأطبّاء من حالته واقترحوا على والديه نقله الى البيت ليموت فيه. لكنّ إيمانه وإيمان والديه كان أقوى من اليأس، ففي 27 أيلول 1987 زار أندريه مع والديه وأصدقائه ضريح المكرَّم الأب نعمة الله الحرديني وركع أمام الضريح وصرخ بكلّ إيمان: “بشفاعتك يا مار نعمة الله، شحّدني نقطة دم من دم يسوع يللي بالقربانة وأنا أكيد أنو بشفى”. فشعر بالحال كأنّ أسلاكا ً كهربائيّة تمر في عروقه ودمه، وأحسّ بنار وبقوّة وسلام لم يشعر بهما في حياته. وراح يمشي ويركض وحده من دون مساعدة أحد. ومنذ تلك اللحظة شفي أندريه ولم يعد بحاجة الى نقطة دم. اعتُمدت هذه الأعجوبة ﻹعلان الأب المكرَّم الحرديني طوباويّاً. 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل