المسؤولية بين النظام والمعارضة
الأزمة السورية كرة في ملعب الكبار!
الخوف على سوريا يزداد يوماً بعد يوم، مع ازدياد الاعتماد على العنف كوسيلة لحسم الموقف بين النظام والمعارضة، لا سيما بعد اتساع دائرة النيران بين حمص وإدلب، ومن درعا إلى الزبداني، ومن حلب إلى دمشق.
وأصبح واضحاً أنه كلما تأخر الحل السياسي للأزمة السورية، كلما زادت المسألة تعقيداً، ودفعت بالمواجهات إلى هاوية حرب أهلية، في الوقت الذي تتيح فيه مجالات أوسع للتدخلات الخارجية التي تُهدّد بتحويل «دولة المقاومة والممانعة» إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية على أراضيها، من دون أدنى مراعاة لمصالح الشعب السوري، أو حتى لمتطلبات الأمن والاستقرار في الربوع السورية!.
ما نشهده اليوم من احتدام المعركة الدبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة بين المجتمع الغربي الذي يضم الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وحلفاءهما، وبين ما يصح تسميته بـ «المحور الشرقي» الذي تشكّل موسكو وبكين نواته الصلبة، يُذكّرنا بمراحل مشابهة مرّت بها سوريا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، يوم كان الصراع الدولي يدور على سوريا، في ذروة اشتعال ما كان يُعرف بـ «الحرب الباردة» بين محور الشرق السوفياتي وحلفائه الآسيويين وبعض دول شرق أوروبا، وبين محور الغرب الذي كان يضم دول حلف الأطلسي بقيادة أميركية، إلى جانب دول آسيوية وأوروبية متعاطفة مع هذا المحور!.
* * *
عودة «الحرب الباردة» في هذا الصراع الدولي المحتدم على سوريا تُضاعف مشاعر المتخوفين من تطورات المواجهة الدموية المتصاعدة، والتي سيؤدي استمرارها إلى انهيار كل الآمال المعلقة على إيجاد حل سياسي للأزمة، يوقف آلة العنف الأعمى الذي أصبح يُهدّد، لا القرى والأحياء السكنية المكتظة بالأطفال والنساء والشيوخ وحسب، بل ويتهدد أيضاً النسيج الاجتماعي السوري، ويُصدّع بنيان الوحدة الداخلية، التي طالما كانت السلاح الأقوى للشعب السوري في مواجهة التحديات والأزمات.
ولا حاجة للتأكيد بأن الحفاظ على متانة الوحدة الوطنية، وعلى تماسك المجتمع السوري في أخطر أزمة يتعرّض لها في تاريخه الحديث، هي في صلب مسؤولية النظام السوري أولاً وأخيراً، الذي يُدرك مخاطر انزلاق البلاد إلى أتون حرب داخلية، قد يسيطر على بداياتها، ولكنه قطعاً لا يعرف كيف ومتى تكون نهاياتها، خاصة إذا تحوّلت الأزمة السورية إلى كرة في ملعب الكبار.
ومن السذاجة بمكان، التسليم بأن الموقف الروسي المتصلب من المسألة السورية، هو لمجرد الدفاع عن النظام والحفاظ على تماسك الوضع الرسمي أمام تصاعد الثورة في الداخل، واتساع دائرة التأييد العربي والدولي في الخارج.
في حين أن موقف موسكو التي شَهرَت سلاح الفيتو في وجه الإجماع العربي والغربي على إدانة عنف النظام، إنما يهدف إلى الدفاع عمّا تبقى من مصالح روسية استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، عبر التصدّي للهجمة الغربية الحالية التي تحاول الاستفادة من تغييرات الربيع العربي، والحفاظ على علاقات طيبة مع الأنظمة الديمقراطية الجديدة ذات الألوان الإسلامية المعتدلة.
* * * *
لم يكن التساهل الروسي في الموافقة على تفويض الأطلسي في ليبيا مجزياً بالنسبة لمصالح موسكو سواء في المنطقة أم مع التحالف الغربي، فكان أن عمد الكرملين إلى رفض تكرار التجربة الليبية في سوريا، والتخلي عن حليف تقليدي لروسيا في المنطقة، قبل التيقّن من الموقع الروسي في النظام السوري العتيد، إلى جانب حرص وريث العملاق السوفياتي على الاحتفاظ بدور مؤثر في رسم الخرائط السياسية الجديدة في الشرق الأوسط.
وكذلك حال دولة التنين الأصفر التي تتحوّل، وبسرعة ملحوظة، إلى لاعب ناشط في المحافل الدولية، والتي أصبحت، بين سنة وضحاها، تمسك بتلابيب الاقتصاد العالمي، من خلال حيازتها على أكبر كمية من سندات الدين الأميركية والأوروبية، إلى جانب تكديسها لأضخم احتياطي مالي في العالم، فضلاً عن بقاء الاقتصاد الصيني في المراتب المتقدمة نمواً وتوسعاً، في حين يُسيطر الركود والتراجع على الاقتصاديات الأميركية والأوروبية.
وإذا كانت العلاقات النفطية الاستراتيجية بين بكين وطهران تلعب دوراً في نسج الموقف الصيني من الأزمة السورية، فان طموح المارد الصيني في لعب دور «الدولة الكبرى» في السياسة الدولية، يدفع بكين إلى التصدّي للتحرك الغربي ضد النظام السوري، بغض النظر عن الاعتبارات المتعلقة بمصالح الشعب السوري في التغيير نحو الديمقراطية.
* * *
أما إيران فتخوض المعركة إلى جانب النظام السوري وكأنها معركة نظام الملالي في طهران، نظراً للعلاقات والوشائج الاستراتيجية التي تربط القيادتين الإيرانية والسورية، والتي تكاد تكون في صلب الأسباب التي دفعت المجموعة العربية للتخلي عن نظام الأسد، بعدما فشلت كل المحاولات السابقة لاستعادة سوريا إلى الحضن العربي، وإعادة النظر بالتحالف الاستراتيجي مع إيران.
ولم يعد خافياً أن الصراع الإقليمي الدولي المحتدم حالياً على سوريا، هو جزء لا يتجزأ من المعركة التي يخوضها المجتمع الدولي، بتأييد عربي ضمني، ضد الملف النووي الإيراني، وبهدف الحدّ من التمدّد الإيراني المتمادي على حساب الاستراتيجية العربية، والذي استطاع في غفلة عن العرب، تحقيق اختراقات سياسية ولوجستية، كادت تجعل من إيران الممسك الوحيد بملفات المنطقة من فلسطين إلى العراق وسوريا ولبنان، فضلاً عن بروز النفوذ الإيراني في أكثر من منطقة خليجية!.
* * *
من المؤسف فعلاً أن يكون الدم السوري هو وقود هذا الصراع المستجد على سوريا ودورها المحوري في المنطقة، في حين تعجز المعارضة عن توحيد صفوفها وطرح برنامج واحد، واختيار قيادة واحدة، فيما يستمر النظام في دمشق في تقديم الحل العسكري على الحل السياسي، واعتماد لغة العنف كوسيلة للحوار مع المعارضة في الخارج، ومع مواطنيه وشعبه في الداخل!.