#adsense

“الجنهورية”: إستكشاف حدود الدور التركي المقبل في سوريا

حجم الخط

كتب علي حسين باكير في صحيفة "الجمهورية": مع تصاعد الأزمة السوريّة، تشهد العاصمة التركية أنقرة أخيراً حركة نشطة وملحوظة، حيث يتمّ استقبال الوفود الأجنبية على اختلاف أنواعها رسمية كانت أو غير حكومية، ويكاد يكون الملف السوري إلى جانب الملف النووي الإيراني الموضوع شبه الحصريّ للنقاش.

في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام الضيوف على محاولة استكشاف معالم الدور التركي المقبل في سوريا، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال أسئلة على شاكلة "ماذا تستطيع أن تقدّم تركيا في خصوص الحالة السورية ولا سيّما أنها تحدّثت كثيراً عن دورها الصاعد في المنطقة"، ما هي الخيارات الممكنة؟، ما هي الحدود التي تستطيع تركيا الذهاب إليها في هذا الملف؟ ما هو الحدّ الأدنى من الضمانات التي ترغب بها أنقرة أو تتوقعها؟ ما هي المجالات التي يمكن التنسيق فيها والقيام بعمل مشترك فعّال؟".

يردّد المضيف التركي عبارات يعتبرها مسلّمات في سياسته الخارجية ولا يمكن من دونها التعامل مع الحالة السورية. فالموضوع السوري ليس حالة إقليمية فقط وهو يتطلب جهودا مشتركة إقليمية ودولية خصوصاً أنّ مسؤولية التعاطي مع الملف السوري مسؤولية مشتركة أيضا، ولا يمكن لأحد الأطراف أن يتحمّل عبء الملف وحده.

لقد حاولت أنقرة في بداية الأزمة قبل نحو عام أن تنصح النظام السوري مراراً وتكراراً بضرورة تطبيق إصلاح جدّي وسريع وفعّال، وعندما فشلت الجهود الديبلوماسية، قادت تركيا الجهود الأولى للضغط على الأسد وكانت السبّاقة في ذلك ثم تبعها الجميع، وهي لا تعارض أن تعيد الكرّة في خيارات أخرى أصعب، لكن بناء على ضمانات كافية وقاطعة في هذا الشأن من المجتمع الدولي، ففي النهاية ليس من المنطقيّ تحميل أنقرة وحدها عبء سوريا.

ومن هذا المنطلق، يصبّ الجهد التركي أخيراً في تفعيل التعاون مع الجامعة العربية ودول مجلس التعاون الخليجي على الصعيد الإقليمي، والعمل في الوقت نفسه للحصول على ضمانات من المجتمع الدولي ومجلس الأمن تحديداً. ولأنّ الضمانات الأخيرة غير متوافرة حتى الآن نظراً إلى معارضة روسيا والصين، يتم البحث في حلول أخرى تتضمّن على الأقل دعماً قوياً وواضحاً من واشنطن والاتحاد الأوروبي.

وتختصر زيارة أوغلو الأخيرة لواشنطن المشهد العام لهذا التشاور الذي يجري في شأن سوريا. "تركيا تبحث عن طرق خارج إطار مجلس الأمن للضغط على الأسد بعدما فشلت المحاولات هناك"، "يوجد مأساة إنسانية حقيقية تجري الآن في سوريا، ولا يجوز للمجتمع الدولي والشركاء الإقليميين الاعتماد على سياسة (لننتظر ونرى)، على المجتمع الدولي بحث كل الخيارات الممكنة"، هذا مختصر ما قاله أوغلو في واشنطن.

على أرض الواقع، وباستثناء الضغط الأخير الذي تمارسه الجامعة العربية والدينامو الخليجي فيها، يمكن للمراقب أن يلاحظ تردّداً في مواقف مختلف الأطراف من الحالة السورية. وليس التردّد نابعاً من قصور في تشخيص تدهور الوضع في دمشق نحو مزيد من القتل للأبرياء أو من تجاهل لما يمكن أن تصل إليه الأمور إذا بقيت على حالها، أو من عدم معرفة الجهة التي تدعم نظام الأسد أو تقف وراءه، إنما من لعبة الوقت وأيضا حدود ما يستطيع أن يقدّمه كل طرف من الأطراف والطريقة التي من الممكن العمل فيها جماعياً.

هناك شبه يقين في أنقرة أن طبيعة الأمور لا تسمح ببقاء نظام الأسد تحت أي ظرف، بدليل استمرار الحالة الشعبية الداخلية ضدّه على رغم القتل، لكن ليس هناك ضمانات كافية لأنقرة لتأخذ الموضوع على عاتقها وتتدخل على الفور.

الأمريكيون يعانون اقتصادياً وهم في مرحلة تحضير للانتخابات، كما انهم مرتابون من أي حديث عن تدخلات عسكرية لما تتطلبه من موارد مادية وبشرية وعسكرية وهم غير مستعدّين راهناً لتخصيصها ولا سيما في ضوء دروس العراق وأفغانستان.

و"الناتو" أيضا غير مستعد على ما يبدو لأيّ عملية عسكرية بعد تصريح راسموسين الأخير من أنقرة، وهناك دعم إقليمي صريح وواضح من روسيا وإيران سياسيا وعسكريا واقتصاديا للنظام السوري، فعلى أي أساس ستدخل أنقرة وحدها لوقف القتل الذي يتعرّض له الشعب السوري.

وعلى رغم أنّ كثيرين يعتبرون أنّ لا خيار عسكريا في سوريا، إلا أنّ طبيعة تطوّر الأحداث على الأرض تشير إلى عكس ذلك، فمحاولة إنهاء الأسد الثورة الشعبية عبر الحملة العسكرية التي توقع مجازر يومية سيقابلها حتما دعوات شعبية متصاعدة إلى الدفاع المشروع عن النفس والحق بالحياة، وعندها سيضطر حتى الرافضون عسكرة الثورة ضد نظام الأسد أن يستجيبوا، وستتجه الأمور حتما إلى الخيار العسكري.

لقد دأبت أنقرة سابقا على تأكيد ضرورة التحرك وفقا لقرارات مجلس الأمن، وها هي اليوم تحت ضغط ما يحصل للشعب السوري تبدو مستعدة للتحرك خارجه ولا سيما إثر الفيتو الروسي والصيني، فهناك طرح المبادرة العربية وهناك طرح الممرات الإنسانية، وكلاهما قد يقود لاحقا إلى شكل أوسع من أشكال التدخل الضروري والمطلوب لحماية المدنيين، وهو ما تعمل أنقرة على التأطير له راهناً، ليشكل مدخل المواجهة مع نظام الأسد لاحقاً.

في كل الأحوال، سيكون الدور التركي حسّاساً وحاسماً، لكن افتراض أن تقوم تركيا بأي دور لوحدها يتخطى الأمنيات إلى ضرورة النظر في القدرات التي تخوّلها ذلك، وهي قدرات إن لم تكن محدودة بذاتها، فهي محدودة في الظروف التي من الممكن أن تستعمل بها.

فالظروف الجيوبوليتكية والدولية لا تسمح بأن تقود أنقرة عملا انفراديا أيضا، وإذا افترضنا أن تركيا تتمتع بكل الموارد اللازمة التي تخوّلها التدخل منفردة، فهذا سيضعها في مواجهة مباشرة مع إيران أولا، وهو الأمر الذي يبدو أنّ لا نيّة لدى الأتراك للدخول فيه في الوقت الذي يسعون فيه دوما إلى طمأنة طهران.

أمّا إذا كان هناك تجاوز للأمم المتحدة بسبب التعنّت الروسي، وعلى طريقة السيناريو الكوسوفي، فإنّ هذا يحتاج بالضرورة إلى مشاركة أميركية قوية ودعم إقليمي ودولي واسع قد يتوافر لاحقا، لكن جلّ ما تستطيع أنقرة فعله الآن، هو تسهيل إقامة تحالف دولي داعم للشعب السوري والربط بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية إضافة إلى التحضير للمرحلة اللاحقة التي تشمل الربط بين مرحلة المجازر التي يتعرّض لها الشعب السوري والتدخل الإنساني والخيارات التي تلي هذا التدخل.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل