قد يفاجئ رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بجرأته وارادته الحديدية حلفاء له في قوى “14 آذار” ولاسيما الشارع السني لـ”تيار المستقبل”، لكنه لا يفاجئ أنصاره الذين خبِروه عن قرب وواجهوا معه أقسى المعارك، ورأوه متقدماً صفوفهم بلا خوف ولا وجل ولم يروه يوماً مختبئاً في ملجأ يطلق الخطب الرنانة والتهديدية أو هارباً من مواجهة معركة دخلها بإنفعال وبلا تخطيط.
حتى خصوم جعجع لا يستطيعون أن ينكروا عليه صلابته، ويدركون تماماً عزيمته التي جعلته يواجه قرار سلطة الوصاية السورية بإدخاله الى السجن بتهم ملفّقة، لكن خطأ جعجع أنه كان يراهن على قضاء نزيه يعطي كل صاحب حق حقه، وهذا ما لم يحدث لأنه شتّان ما بين محكمة دولية تحترم حقوق المتهمين وتعطيهم فرصة الدفاع عن النفس وفقاً لأهم المعايير الدولية وبين قضاء مسيّس يصدر الاحكام الجاهزة التي ترضي النظام الامني السوري اللبناني.
كثيرون باتوا يعتقدون أن جعجع أصبح القائد الفعلي لقوى “14 آذار” وأنه حلّ مكان رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” النائب وليد جنبلاط. وكثيرون يرون أن خطابات جعجع تفعل فعلها في شدّ عصب الجمهور مثلما تفعل خطب منسّق اللجنة المركزية في حزب “الكتائب اللبنانيّة” النائب سامي الجميّل فعلها تحت قبّة البرلمان. والواقع أن إطلالات الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الذي يشدّ عصب جمهوره وجمهور “8 آذار” توازيها في صف “14 آذار” اطلالات رئيس حزب “القوات”، وقد شاهد اللبنانيون في اليومين الماضيين مبارزة بين الرجلين مع فارق، وهو أن قوة نصرالله مستمدة من ترسانته الصاروخية الايرانية المنشأة، فيما قوة جعجع مستمدة من عمق إيمانه بالحق وبلبنان ومن عدم قدرة أحد على تخويفه أو ترهيبه لا بإصبعه ولا بسلاحه ولا بممانعته.
وإذا كان نصرالله سارع بنبرته العالية بعد مهرجان 14 شباط الى محاولة استيعاب هجمة المعارضة والايحاء لجمهوره أن لا شيء تغيّر بعد الربيع العربي، وأنه مازال يمسك بأوراق اللعبة وهو الذي يحدّد الشروط والقادر على تهديد خصومه بتكرار 7 أيار، فإن ظهور جعجع من جديد ولو في مناسبة اطلاق الشرعة السياسية لـ”القوات” أعاد التوازن بنبرة لا تقلّ حزماً وصوّب الامور بتأكيده أن أحداً لا يملي علينا الشروط وبتقليله من جدية “حزب الله”.
وإذا كان نصرالله حاول الاستهزاء بثورة الارز بسؤاله قياداتها عن حقيقة اقتناعهم بأن الربيع العربي خرج من رحم ثورة الارز، فإن جعجع أجابه بالطريقة ذاتها مشبّهاً خطاباته بخطب مُلهِب “صوت العرب” أحمد السعيد وخطب أحمد الشقيري اللذين كانا يدغدغان مشاعر الشعوب العربية ويتوعدان بتحطيم اسرائيل ورميها في البحر، وكأن جعجع يسأل نصرالله عن حقيقة اقتناعه بأنه سيهزم اسرائيل وهي التي باغتت في السابق دول محور الصمود والتصدي بحرب طاحنة وسريعة حطّمت المعنويات العربية وتفاجئ لبنان من فترة الى أخرى بإجتياحات وصل بعضها الى بيروت وصل آخرها الى خط الليطاني رغم وجود “حزب الله”. وإذا كان المحور السوري – الايراني إستبدل شعار الصمود والتصدي بشعار المقاومة والممانعة فقد كان جعجع سبّاقاً عندما قال: “بئس هكذا مقاومة، وتبّاً لهكذا ممانعة” ليعيد بعد النبرة العالية لنصرالله القول عن هذا الشعار “الله يقطع هيك مقاومة على هيك ممانعة إذا بدّا تكون هيك الممارسة”.
ما يريد أن يقوله جعجع وأي قيادي أو أي مؤيد لقوى “14 آذار” هو أن على “حزب الله” أن يتواضع وأن ينزل من عليائه، وأن لا يستفز اللبنانيين بمصادرة مسألة الدفاع عن لبنان ليبرّر التمسك بسلاحه، فيما هو يشرّع ابواب لبنان على كل المخاطر الآتية من الجنوب والتي لا تنفع معها لا صواريخ رعد ولا برق. ولمن ذاكرته قصيرة المدى فإن “القوات اللبنانية” كانت تملك تنظيماً عسكرياً وترسانة من الاسلحة أشدّ وأفعل من ترسانة “حزب الله”، لكنها ورغم كل ما قدّمته من شهداء على مذبح الوطن كانت في نظر كثير من اللبنانيين وحتى بعض المسيحيين ميليشيا غير شرعية، ولم يكن نجم جعجع يومها مرغوباً بقدر نجم قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، رغم أن جعجع لم يورّط المسيحيين في حربين متتاليتين. وقد جاءت الايام لتثبت أن من كان متهماً بإقامة دويلة بات مشروعه العبور الى الدولة فيما من كان مشروعه الدولة بات متهماً بالعبور الى الدويلة. ومَن كان يتهم جعجع بأسوأ الاوصاف وبأنه انعزالي ومتقوقع جاءت الايام لتثبت أنه أكثر شخص منفتح ويؤمن بالدولة وبالحريات والديمقراطية وأنه سلّم سلاحه الى الشرعية حيث لا يجرؤ الآخرون، وبأن نجمه بات مرغوباً حيث يأفل نجم الآخرين. أما إذا أراد “حزب الله” التمسك بسلاحه للتمسك بنفوذه وهيمنته فرد “14 آذار” عليه هو: “لست أقوى من النظام السوري ولسنا أضعف من الثورة السورية”.