#dfp #adsense

“الجمهوريّة”: مؤشرات تلاعب وفساد في مناقصة استئجار بواخر الكهرباء

حجم الخط


كتبت رنى سعرتي في صحيفة "الجمهوريّة":

بدأت روائح الفضائح تفوح من صفقة استئجار بواخر لتوليد الكهرباء، بما يوحي بوجود صفقات مشبوهة يُستدل عليها من محاولة وزارة الطاقة استبعاد شركات تستوفي الشروط عن غير وجه حق، واعطاء الافضلية لشركات لا تتمتع عروضها بالمواصفات المطلوبة في دفتر المناقصات. ويبدو ان الصفقة محسومة مسبقا لاحدى الشركات المحظية. أما النتيجة الاخرى التي ينبغي ان يعرفها المواطن، فهي ان استئجار البواخر لن يُغنيه عن المولد او الشمعة.

مليار و400 مليون دولار هي كلفة مشروع وزارة الطاقة والمياه لاستئجار بواخر توليد الكهرباء تؤمن كحد ادنى 162 ميغاوات وحد اقصى 198 ميغاوات لمعمل الذوق، بمجموع 8100 ساعة كهرباء سنويا لمدة 5 سنوات.

هذه الأموال تتجاوز كلفة بناء محطتين لتوليد الكهرباء تؤمنان طاقة بحدود 500 ميغاوات، وتكونان بالتالي ملكا للدولة اللبنانية على مدى الـ30 عاما المقبلة.

يظهر سير عملية المناقصة التي اجرتها وزارة الطاقة والمياه لاستئجار بواخر توليد الكهرباء، اضافة الى التقييم الفني والمالي الذي قدمته اللجنة الاستشارية المكلفة درس العروض المقدمة، عدم شفافية في التعامل مع الشركات المتقدمة بالعروض، وتلاعبا بالشروط الاساسية المطلوبة بما يخالف قواعد واصول المناقصات العالمية.

بلغ عدد المجموعات التي قدمت عروضا لاستقدام البواخر ضمن المناقصة التي اجرتها وزارة الطاقة، ولم تعلن نتيجتها لغاية اليوم، تسعة هي: Debbas-Wartsila, Karadeniz, LEC-Wartsila, MDS-Hyundai, Megawatt-PowerBarge-Fluid & Power, Pesco-Wartsila, Rawa-Alhaj-WEP-GE-John Brown, TI Capital-United International-Daewoo, Waller Marine-Buildum Ventures- Wood group.

ومن اصل هذه المجموعات التسع، استبعدت اللجنة المكلفة من قبل وزارة الطاقة 6 شركات في المرحلة الاولى، لتبقى كل من مجموعة Karadeniz التركية، Rawa-Alhaj-WEP-GE-John Brown، وWaller Marine-Buildum Ventures-Wood Group.

وعلمت "الجمهورية" ان اللجنة استبعدت ايضا خلال آخر اجتماع لها مجموعة rawa-alhaj-WEP-GE-john Brown. لتبقى ضمن المنافسة لغاية الآن الشركة التركية Karadeniz والاميركية Waller Marine-Buildum Ventures-Wood Group.

انحياز مشبوه

في قراءة للتقييم الفني والمالي الذي قدمته اللجنة الاستشارية لوزارة الطاقة والتي رفعته بدورها الى مجلس الوزراء والذي حصلت "الجمهورية" على نسخة منه، تظهر المفاضلة بين المجموعات جليّة، كذلك التلاعب في الشروط والعروض المقدمة من قبل المجموعات التسع لتبدو الشركة التركية الافضل والاوفر حظا للفوز بالمناقصة.

منذ ان طلبت وزارة الطاقة من الشركات تقديم عروضها لاستقدام البواخر في تموز من العام 2011 ، بدأت الشوائب والفجوات وعلامات الاستفهام على بعض الاجراءات بالظهور.

اولاً: تقدمت في تموز 2011 ست مجموعات بعروضها، وقد تمت دراسة تلك العروض من الناحية الفنية والمالية وعُرضت على مجلس الوزراء وتم قبولها، إلا ان المجلس طلب تعيين لجنة استشارية عالمية لتقييم تلك العروض.

وبعد 6 اشهر اي في كانون الاول من العام 2012، تم استقدام اللجنة الاستشارية وتبيّن ان العروض الستة المقدمة اصبحت 9 من دون علم المجموعات الاساسية التي تم فض عروضها وعُرفت الاسعار المقدمة من قبلها ومواصفاتها من قبل الجميع. وقد تمّ قبول عروض 3 شركات اضافية بعد انقضاء مهلة استقبال العروض. وهو اجراء لا يُتّبع خلال المناقصات العالمية.

ثانياً: في شروط تقديم العروض التي وضعتها وزارة الطاقة، استوجب تأمين البواخر من قبل المجموعات المتقدمة خلال مهلة 9 اشهر، علما ان تقديم العروض كان في تموز 2011 ولغاية الآن لم يتم تلزيم اي من الشركات. مما يشير الى ان التأخير الحاصل في عملية المناقصة وفي اتخاذ القرارات في عملية التلزيم، جعل جميع العروض المقدمة خارج الشروط المطلوبة من ناحية التسليم، باستثناء عرض الشركة التركية التي تقول انها يمكنها تأمين باخرتها خلال 4 اشهر بسبب توفرها المسبق. الا ان بعض المصادر استبعدت لـ"الجمهورية" امكانية توفر الباخرة التركية في حزيران المقبل وبدء انتاجها للطاقة الكهربائية بحلول هذا الوقت كون معمل الذوق يحتاج الى عملية تأهيل قبل استقدام الباخرة لم تبدأ بعد، ولا تملك الشركة التركية حتى المعدات اللازمة لتأهيله في الفترة المطلوبة.

وفي هذا السياق، تتساءل المجموعات لم تم الطلب منها تقديم العروض والدخول في مناقصة لم تحترم الفترة والمهلة لتسليم البواخر ولم تشترط منذ البدء ان تكون البواخر جاهزة ومصنعة؟

ثالثاً: في شروط الطاقة الانتاجية والكلفة المطلوبة من وزارة الطاقة، يتوجب على البواخر التي سيتم استقدامها توفير 180 ميغاوات زائد او ناقص 10 في المئة لمعمل الذوق. الا ان التقييم الفني يظهر الميل لقبول عرض الشركة التركية التي لديها باخرة واحدة يمكنها تأمين طاقة قصوى عند 160,2 ميغاوات فقط. اي اقل من الحد الادنى المحدد في دفتر الشروط عند 162 ميغاوات. مما يدعو للتساؤل ايضا حول كيفية تعديل الشروط وتفصيلها لتناسب عرض المجموعة التركية.

رابعاً: في حال رست المناقصة على الشركة التركية كما هو مرجح، لا تملك الاخيرة الامكانيات اللازمة للايفاء بـ 8100 ساعة كهرباء مطلوبة سنويا التي توفرها 162 ميغاوات. بينما الطاقة الانتاجية للشركة التركية عند 160,2 ميغاوات تؤمن اقل من ذلك. مع العلم ان المجموعات الاخرى تملك طاقة احتياطية ويمكنها الوصول الى طاقة انتاجية تصل الى 180 زائد 10 في المئة المشار اليها بدفتر الشروط، مما يؤمن اكثر من 8100 ساعة كهرباء سنويا، لبنان في أمس الحاجة اليها.

خامساً: يُظهر التقييم الفني والمالي انه تم تعديل كلفة الكهرباء على الدولة (كيلوات/ الساعة) لتناسب امكانيات الشركة التركية، وبطريقة تظهر كلفة المجموعات المتقدمة الاخرى، الاكبر، وبالتالي يكون هناك مبرر لاستبعادها.

وقد استند التقييم في ذلك على احتساب الكلفة على اساس 162 ميغاوات اي الحد الادنى لتوليد الطاقة للشركات المتقدمة بعروض، و160,2 للشركة التركية، من دون الرجوع الى الشركات المعنية كما تفترض قواعد المناقصات العالمية، ومن دون اعطائها اسبابا مبررة لتعديل كلفة الكهرباء او استشارتها. وقام التقييم بفرض جزاءات على الشركات الاخرى باستثناء التركية، بنسب تتراوح بين 5 و10 في المئة، لتصبح كلفة الكهرباء على الدولة والتي تعرضها الشركات، مرتفعة، بما يعطي وزارة الطاقة سببا آخر لاستبعاد تلك الشركات من المناقصة.

سادساً: أعطى التقييم الافضلية ايضا للشركة التركية، من ناحية ان المجموعات المتقدمة بعروض لا تملك مولدات تعمل على الغاز كما حال الشركة التركية. علما ان الشركات الاخرى تملك مولدات يمكن تحويلها عند الحاجة لتعمل على الغاز. وعلما ان الغاز غير متوفر في لبنان، وفي حال توفره، قد يستغرق ذلك 5 سنوات، تكون حينها مدة استئجار البواخر قد انتهت.

تساؤلات تنتظر التوضيح

تضع هذه الملاحظات علامات استفهام عديدة حول المناقصة التي قامت بها وزارة الطاقة لاستئجار بواخر توليد الكهرباء الى معمل الذوق، خاصة من ناحية اضافة 3 شركات بعد فض عروض الشركات الست الاساسية، وتعديل الشروط، والتأخير الحاصل في التلزيم الذي كان كافيا لاستبعاد معظم المجموعات المتقدمة بعروض. اضافة الى عدم تزويد الشركات المستبعدة من المناقصة بالتقرير الفني والمالي الذي اعتمدت عليه وزارة الطاقة لاستبعاد الشركات، في ظل عدم معرفة الاسباب الموجبة.

كما ان هذه الطريقة الغامضة والمنحازة المعتمدة باجراء مناقصة استئجار بواخر توليد الطاقة لمعمل الذوق، تدعو للتساؤل حول ما اذا كانت وزارة الطاقة ستلقى عروضا من شركات مهنية محترمة لدى بدء استقبال عروض استئجار بواخر لمعمل الجيّة، بعدما أبدت المجموعات المشاركة بمناقصة معمل الذوق استغرابا كبيرا حول كيفية تسيير المناقصات، ووضعت علامات استفهام حول اسباب استبعادها غير المبررة.

اما الاهم وبعيدا من الخلافات والحديث عن الصفقات، تجدر الاشارة الى ان عملية استئجار بواخر توليد الكهرباء بغض النظر عما اذا رست المناقصة فيها على شركة كفوءة او لا، فانها لن تزيد الطاقة الكهربائية في لبنان عما هي عليه اليوم، كونها ستغطي نقصا بالكهرباء سينتج عن عمليات صيانة لمعملي الذوق والجيّة.

وبالتالي، ليس من مبرر لكي يتفاءل المواطن بالبواخر، لأنه سيبقى معتمدا على المولدات، او على الشمعة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل