منذ نشأته العسكرية-السياسية، يسعى الجنرال ميشال عون الى اظهار نفسه ضحية. هذه الضحية تتلون كالحرباء. فتارة تأخذ لون الدّين وطورا تنعى الصلاحيات وأطوارا تترحم على السيادة والكرامة وتتحدث عن ضعف التهميش وفتور التمثيل. نجح الجنرال في اللعب على مشاعر اللبنانيين، الذين يتوقون الى زعيم وطني لا يسعى الا للحفاظ على صورة لبنان الحضارية وابعاده عن لعبة المحاور. وكان للجنرال عون الفضل الأول في اعلان الحرب على سوريا من قبل موقع رسمي لبناني، والتي احتلت لبنان ورفضت الخروج منه. لم يكن الجمهور العوني يعلم أن للجنرال أهدافا أسمى من دمار بيروت واختلاق حروب الغاء وهو، حتى في محاربته القوات اللبنانية خلال حرب الالغاء اعتبر القسم الأكبر من اللبنانيين أن هدفه صون البندقية الشرعية، وتنظيف البيت المسيحي من السلاح غير الشرعي، وصولا الى الانقضاض على غير المسيحيين وسحب السلاح منهم.
حارب الجنرال، قتل، شرّد، خرّب لبنان برمته، وهرب. هرب مخلّفاً وراءه انتكاسة مسيحية لكنّه بقي بنظر الكثيرين مستضعفاً يحاول النظام السوري والتابعين له تشويه صورته والتنكيل بمناصريه، الذين أجزم والله أنهم استمروا بالتنسيق مع مخابرات الجيش حتى عودة الجنرال. وخير دليل على ذلك خلايا الهيئات الطالبية ومن ترأسها شكلا وفعلا في الجامعات اللبنانية الرسمية.
ابان انتفاضة الاستقلال استشرف النظام السوري الخطر المحدق به واعتبر أن الورقة التي لا تزال في المنفى الباريسي، قادرة من خلال التأييد الجماهيري اللبناني أن تعيد بعض ما فقده هذا النظام، وما سيفقده في المستقبل فأعيد المنفي الى بيروت بعد اتمام صفقة بينه وبين النظام السوري وبمباركة "كريم بقرادوني واميل اميل لحود". عاد الجنرال ،وكعادته اعتبر نفسه الضحية. فهو مهدد بحرب كونية ،وهو مهدد باتفاق سعودي أميركي حريري لعزله سياسيا. صال وجال بمساعدة ورقة التفاهم التي تغنى بها ولم يستطع تجنيب بيروت 7 أيار بل ،هدد شركاءه في الوطن بالسلاح الأصفر وظل على تعنته، الى أن أخذ ما أخذه في اتفاق الدوحة كي يتخلى عن حلمه في ترأس الجمهورية.
في الدوحة عرف الجنرال جيدا أن حلفاءه لا يريدونه رئيسا للجمهورية. فهم يعلمون أنه لا يصلح للقيادة ،ويعلمون أكثر أنه بمجرد وصوله الى سدة الرئاسة وحصوله على لقب الرئيس الأعلى للقوات المسلحة ،سيبادر الى استعمال السلاح الشرعي والى هدم لبنان من جديد. ولا أحد يعلم من تكون ضحيته. كل ما في الأمر أن "الأمر لي" حتى لو أدى هذا الامر الى انهاء أمر لبنان.
حصل الجنرال على مطالبه مقابل تخليه عن حلم الجمهورية، وأصبح الرئيس ميشال سليمان قائد الجيش الأسبق رئيسا للجمهورية اللبنانية. غير أن ما حصل لم يمنع جنرال الرابية من لعب دور الضحية من جديد. حتى في الانتخابات وفي تشكيل الحكومة.
أسقطت حكومة سعد الحريري وأتى رئيس الوزراء نجيب ميقاتي برضى سوري ايراني وباخراج لبناني. أتى ميقاتي على جثث ضحايا السابع من أيار ، وشكل حكومة اللون الواحد التي حصل فيها الجنرال ميشال عون على حصة الأسد وبات بامكانه اسقاطها، هذا ان سمح له حزب الله! ومع كل ذلك بقي يلعب دور الضحية ولكن…
ما تغيـّر اليوم في محاولة الجنرال لعب دور الضحية أنه أصبح مفضوحا على مجهر اللبنانيين جميعا. فلم يعد يصدقه من اختبره في السلطة يوم الحرب وفي المعارضة يوم السلم وفي السلطة من جديد يوم السلم. قد يكون من سوء حظه وجود كوكبة من السماسرة الى جانبه. ينقلون اليه الأكاذيب والأضاليل، ويعملون على زيادة ثرواتهم من خلال صفقات مشبوهة. بل يفتخرون بالاصلاح فيخربون وبالتغيير فيغيرون المبادىء كالثياب.
وقد يكون الجنرال شخصيا يعيش عقدة نقص منذ الطفولة، ويرى في كل من لا يوافقه رأي مشروع اضطهاد يلاحقه.
في الحقيقة لم يعد يهمنا ما الذي يؤثر في شخصية جنرال الرابية لكن ما يهمنا هو تداعيات هذه التأثيرات التي في بعض الأحيان تؤثر سلبا على المسيحيين ودورهم. وما يهمنا أكثر أن ننأى بأنفسنا عن دعم النظام السوري وننأى هنا أعني بها نحن أبناء الطائفة المسيحية، لأن سقوط النظام السوري اليوم قد يكلفنا كثيرا في حال بقي الجنرال ميشال عون يدعم مرتكبي المجازر ويحاول وصف الرئيس الأسد بأنه الضحية.